الخميس، 25 مايو 2017

الأهليل أو طقوس الرّوح والمعرفة

 

أ.بن خالد عبد الكريم – جامعة ادرار
أ.بن خالد عبد الكريم – جامعة ادرار

الأهليل أو الغناء الرّوحي كما يطلق عليه بعض الباحثين، هو أحد الرّكائز الأساسية التي تزخر بها الثقافة الشّعبية الشفوية والفلسفة الروحية الفنية لمنطقة (القورارة).

سنحاول في هذا المقال الموجز التّركيز على تناول هذا النوع من الفنون الشّعبية المحلية، من خلال الأبعاد السيوسيو – ثقافية لهدا الموروث الشّعبي المحلي.

هذا نوع من الإنشاد الشّعري الشّعبي ينتشر في منطقة تميمون وما جاورها منذ القدم، وكان يُعرف قبل الإسلام باسم “أزنون” ليحمل بعده الاسم الحالي “أهليل”.

ويرى بعض الباحثين أن تسمية الأهليل مشتقّة من “أهل الليل” باعتبار أن هذا الإنشاد الشّعري الشفاهي يؤدى في الليل، وكلمة “أهل الليل” تعنى بالزناتية وهي لهجة منطقة قورارة: “قيام الليل”، بينما ربطها بعض آخر بالهلال، ويذهب آخرون إلى أن الكلمة جاءت من التهليل لله ومن عبارة “لا إله إلا الله”.

ويرى الشّاعر والباحث السعودي في الموروث الشعبي محمد عزيز العرفج أن طريقة التّرديد والتّصفيق في أهليل قورارة تشابه طريقة العرضة النجدية في منطقة نجد في وسط الجزيرة العربية وبالأخص فنّ القلطة الحجازية التي انتقلت إلى نجد، وأن الطّرق الأخرى مثل التفاف الدائرة من قبل المشاركين ووجود شخص في الوسط يرتجل القصائد تشابه طريقة العرضة الجنوبية وخاصة في منطقة (عسير) جنوب غرب الجزيرة العربية وشمال تهامة.

المراحل الزمنية للأهليل

تنقسم إلى ثلاث مراحل متتالية، حسب نوع القصائد وأسلوب إيقاعها، ويبدأ الأهليل بقصائد الدّعاء والصّلاة على النّبي.

أما النوع الأول يسمى ﺑ(المسرح)، وهو النوع الذي يتميز بالتّضرّع إلى الله عزّ وجل  والرسول(ص) والتضرع بالأولياء الصّالحين، ومدته تصل إلى الثلث الأول من الليل، حيث يكون أسلوبه سهل ولا يمتاز بالباطنية ولا التعقيد، تمتاز نغماته في هذه المرحلة بالتوجّه إلى الله  ومن قصائده: سيد الجيلالي، العربي الله لا اله، أرسول أسيدي، محمد الهاشمي.  وتكون بغرض إثارة الانتباه للحضور والتماس العفو والمغفرة من الله والصّلاة والسلام على رسوله.

أما الزّمن الثّاني  فيسمى (الوقروتي) نسبة إلى واحة اوقروت. يتميّز بنوع من السّرد للذكريات التي عرفتها منطقة القورارة والوقوف على الأطلال وأهم قصائده: اسلامو/ اللالينو/ دادا بيهي/ باسم الله الذي الاي مايضرونا / ماما لعزاري/ دايم الله ايولينو/ صلاة عليك أزين العمامة. ويمتد حتى الثلث الثّاني من الليل.

النّوع الأخير يسمّى بالترا ويدوم حتى بداية بزوغ الفجر وهو ختام الأهليل. ومن قصائده: سيدي العزيز/ أمولانا /اصبر فالخير ايولينو.

الرّمزية الاجتماعية والثّقافية في الأهليل

ظاهرة الأهليل عند أول إنشائها كتعبير بشري رافق السيرورة الإنسانية المحلية:

  1. الاكتشافية (استتكشاف نوع فنّي خاصّ بالمنطقة وخلق نمط شعري يعبّر عن هوية أهله أو يسمى بالتميّز).
  2. التكييفية (التكيّف مع الطّبيعية من خلال الآلات، الإيقاع والأداء)
  3. الترويضية، التقربية والتعبدية للطّبيعة وخاصّة في الجانب الروحي.

مع بلوغ الإنسان (القوراي) لحظات متقدّمة من التطوّر في مجالاته البشرية والعقائدية والثقافية، بدأت تتأصّل الكثير من عاداته وطقوسياته المتوارثة بين أجياله، ضمن هدا الفنّ، من خلال هويته ورباطه بمعالم الأجداد.

ومن ثمّة صار هذا الفنّ واحدا من الطّقوس الصّوفية والطرقية التي ميّزت علاقة الإنسان القوراري بفضاء الأولياء والمرابطين، مما ولد إسلاما ثقافيا، كما يقول بيار بورديو.

الأهليل هو ضامن ثقافي لفاعل اجتماعي(القبائل القورارية)، في وجوده واستمراره وفي ارتباطه بهويته المقاومة للتغيّرات وكجزء من الممارسات التي تطبع الجانب الفنّي  لهذا المجتمع. عندما نتكلّم عن القورارة يجب ان نذكر الأهليل.

من خلال فاعلية الأهليل فهو يعتبر مصدرًا أساسيًا للرّقابة الاجتماعية والثقافية على أفرادهم، (الأعراس، المناسبات الحميمية)، في الرغبة في التعاقد والتلاحم الاجتماعي بين المجتمع القوراري وحمايته من التشتت الثقافي.

الأهليل اليوم هو فنّ يُراد من خلاله إعادة تشكيل للمفكّك الاجتماعي والثّقافي في المنطفة، مع تجديد اللحمة المجتمعية من خلال استمرارية المجتمع القوراري ككيان وفاعل اجتماعي وثقافي.

تصنيف الأهليل من طرف اليونسكو كتراث إنساني غير مادي، واستحداث مهرجان له والمشاركة بأكثر من 40 جمعية ومن مختلف المناطق( بما في ذلك المناطق التي كادت الزناتية تنقرض فيها) دليل على إعادة التمركز ضمن الخارطة الثقافية للقورارة.

الأهليل
الأهليل

البحث العلمي في الأهليل 

الأهليل يعبّر – بشكل أو بآخر – عن قوة هذا الفنّ في المقاومة كمظهر شبه ديني في مقابل الدّين الرّسمي. وبالتّالي قوّة المعتقد الشّعبي: الأولياء والزياريات والوعدات، إلى جانب المعتقد الديني الخالص، ومعه أصبح كجزء مهمّ في الخارطة الدينية لهؤلاء الفاعلين بشكل من أشكال التعايش بين مختلف تقاليدهم الدينية المحلية.

ارتباطه  بزمن ثقافي وديني ومجال اجتماعي يضبط من خلاله المجتمع تفاعلات أفراده، فإستعراضات الفلكلور بإختلافاتها، تفرض نوعا من الرقابة الثقافية في المخيال الجمعي.

الأهليل هو آلية ضد الاغتراب الثّقافي والديني، نجده متمركزا حتى ضمن الطّرق الصوفية الطيبية أو القادرية أوالتيجانية، كملجأ روحي ونفسي، محققا للطمأنينة والفرجة والفرح.

بصفة عامّة، ومن خلال هذه المحاور بصفة خاصة، ندرك الظّاهرة في محتواها الوظيفي والقيمي والرمزي، وأدوارها في حياة هؤلاء الرّوحية منها والمادية، في البحث عن الذات و الهوية، في إثبات الوجوده والتميز، بالرغم من الحداثة التقنية والمعرفية.

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

حسين زايدي: من العزف في فرقة «الفردة» إلى التأليف القصصي

الفنّانون في الجزائر، يكتفون غالبًا، بالغناء أو التلحين، وقد يحدُث أن يهتمّ أحدهم بالأدب كهواية، …

من يتذكر الشابة زُليخة ؟

وُلدت الشابة زليخة، واسمها الحقيقي: حسينة لواج، في 6 ديسمبر 1956 بمدينة خنشلة، ومنها انطلقت …