الجمعة، 21 يوليو 2017

ألبير كامو.. خلاف لم ينته

ألبير كامو
ألبير كامو

أخيراً، صار ﻟ”العربي” في رواية “الغريب” اسم.

قبل ثلاث سنوات، حاول كمال داود(1970-) أن يتخيّل سيرة موازية له، في رواية “ميرسو، تحقيق مضاد”، ومنذ أكثر من ثلاثة أشهر، أصدرت الباحثة الأميركية آليس كابلان “بحثاً عن الغريب” وكشفت عن اسمه: قدور بطويل. إنّه شخصية حقيقية، وردت قصّة اغتيالها، في جريدة فرنسية، عام 1939.

إذاً، ألبير كامو لم يخترع “موتاً غير مبرّر” للعربي، بل استلهم فكرته من واقعة حصلت فعلاً، بالقرب من مدينة وهران.

لكن أن يُقتل عربي، بمسدس شخصية فرنسية، في شاطئ غربي الجزائر العاصمة، وبدم بارد، سنوات الاستعمار، فذلك سيشكّل أرضية خصبة للاتهامات والرّفض الذي يتعرّض له اسم ألبير كامو (1913-1960) وأعماله في الجزائر. هذه الجزئية من روايته الأشهر ستجعل منه شخصاً غير مرغوب فيه، بغض النّظر عن مواقفه السّياسية الأخرى، وتصريحه المفصول عن سياقه، في حفل تسلّم نوبل للأدب: “بين العدالة وأمي، سأختار أمي”.

بعيد استقلال الجزائر (1962)، حصلت عملية فرز أيديولوجية. السّلطة التي تشكّلت حينها، لم تكن ترضى بأنصاف المواقف، وكثير من الكتّاب الجزائريين والفرنسيين أحيلوا للنسيان، بسبب عدم وقوفهم بشكل صريح مع الثّورة، ألبير كامو كان واحداً منهم (مثل الشّاعر جان موهوب عمروش)، رغم أنه وُلد في الجزائر، وكتب فيها وعنها.

من وضع كامو في سلّة “المغضوبين عليهم” لم يقرأ له بعين ناقد، وإنما أخضع نصّه لقراءة سياسية. في ذلك الوقت، لم يكن أحد ليفهم جيداً التوجّه العبثي في كتابات صاحب “الطّاعون”، لم يكن أحد يفكر أن الرّجل كتب من عمق اليأس الذي ميّز مزاجات فترة الحرب العالمية الثّانية.

القراءة الأساسية لرواية “الغريب” (1942)، في الجزائر، تتوقّف عند العتبة الأولى، عند السّؤال المكرّر: لماذا قتل عربياً؟ ثم، لماذا أصرّ على تحديد هوية القتيل؟ يعتقد البعض أن كامو كان يختفي خلف شخصيته، كان هو نفسه يحمل رغبة في الانتقام من العربي، الجزائري! نقيض الفرنسي المعمّر. هكذا، تتوالى الاختصارات، لتصل حدّ اعتبار ألبير كامو “كولونيالياً”.

في حمّى القراءات المؤدلجة، يتغاضى البعض عن تفكيك صارم للرّواية. رغم أن كلّ واحدة من شخصياتها تمثّل عالماً مستقلاً بحدّ ذاته، وليس بالإمكان أن نفهم الرّواية دون إحاطة بخصوصيات كلّ الشّخصيات التي وردت في النصّ، فألبير كامو كان يستعين بـ “رمزية” ­واضحة في تحديد خصوصيات أشخاص الرّواية. ومن المهمّ أن نفهم شخصية مورسو خصوصاً، لنفهم خلفيات فعلته!

منذ بداية “الغريب” تظهر تفصيلات مورسو: شخص خامل، غير مبالٍ، سلبي في مواقفه، وعبثي أيضاً. “العبثية” كلمة مفتاحية لفهم ما كتبه ألبير كامو، فالقراءة السّياسية للنصّ تكاد تكون حكراً على قارئ جزائري، أما خارج الجزائر، ينظر للرّواية نفسها بعين نقدية مخالفة.

سنجد أن بطل الرّواية يتصرّف وفق منعكسات شرطية، هو لا يفكّر كثيراً، بل يعيش تحت رحمة “انفعالات سريعة”، يُمارس ردّ الفعل، وليس الفعل. تبدو أفكاره غير مترابطة، لا منطق يحكمها. يبدو مستاءً من وجوده، وغير ثابت في نظرته للعالم. وفي غياب عقل، تصير الأحاسيس الآنية محركاً لتصرفات البطل، يتحوّل إلى ما يشبه “آلة” تتصرّف في الردّ على اللحظة، من دون التّفكير في تبعاتها.

هناك عنصر آخر، يجعل من مشهد “اغتيال العربي” في الرّواية محرّكاً للخصومات، عنصر كما لو أنه شخصية ثانوية من الرّواية: وهو الشّمس. شمس وبحر، وهدوء، كما لو أن الجزائر كانت، في أحسن حالاتها، سنوات الاستعمار الفرنسي. مشهد “الشّمس” يتكرّر، أكثر من مرّة، في “الغريب”. حضورها يبدو موجعاً للبطل، في إعادته لأحداث ماضية، ومعتماً، في الوقت نفسه، على واقعة الاغتيال. الشّمس ستكون شاهداً على الواقعة، وتصير لحظة مفصلية في حياة البطل، فهي لن تستمر معه إلى النّهاية، سترافقه فقط في اللحظة الأكثر تراجيدية من الرّواية، ثم تتركه وحيداً في مواجهة تراجيديا شخصية.

كان يكفي أن تجد شخصية مورسو مسدساً في يدها، تطلق النّار على “العربي”، في شاطئ، تحت شمس رحيمة، ليتحول كامو إلى “خصم” للجزائر المستقلة، تمحى ذكراه من الأمكنة التي وُلد فيها وعاش فيها: من مدينة الذرعان، على الحدود مع تونس، ومن البيت الذي أقام فيه، في الحي الشّعبي الفقير: بلكور، بالجزائر العاصمة. لا شيء يدلّ على حياة ألبير كامو في الجزائر، عدا كتاباته، الأثار المادية أزيلت، كما أن كتاباته الأخرى أيضاً مغيّبة.

هل يمكن أن نتجاهل “جزائرية” ألبير كامو، في استطلاعاته الصّحافية، التي نشرت – لاحقاً – في كتاب بعنوان “الشّقاء في بلاد القبائل”؟ ونقده الصّارم للإدارة الكولونيالية، إزاء الأوضاع اللاإنسانية، التي كان يعيش فيها الأمازيغ، قرناً بعد وصول الفرنسيين! بعد انطلاق ثورة التّحرير (1956-1962)، لم يكن صاحب “المنفى والمملكة” قد حسم موقفه، والمشهد السّياسي لم يكن مكتملاً، لكن من الصّعب أن نجد دليلاً يُدينه ويثبت ولاءً له للجانب الاستعماري، فقد تبنّى شتاء 1956 دعوة للهدنة، أغضبت الفرنسيين، أكثر مما أغضبت الثّوار الجزائريين.

وتصل ذروة “النّاقمين” على كامو أوجّها مع تصريحاته التي تلت نيل نوبل للأدب (1957)، حيث أجاب على سؤال يتعلّق برؤيته للحرب التي كانت تدور في الجزائر، بالقول: “أدين الفظاعات الممارسة، وأدين أيضاً العنف الحاصل في شوارع الجزائر. هذا العنف قد يُصيب ربما أمي يوماً ما. أنا أؤمن بالعدالة، لكن بين العدالة وأمي، سأختار أمي”. هذه الكلمات لا بدّ أن تُقرأ في سياقها التّاريخي، وليس بفصلها عن اللحظة التي نطقت فيها. التّعامل معها كتصريح مستقلّ، خارج الكادر الزّمني، ضرب صورة كامو، في الجزائر، في العمق، وها هو اليوم، رغم مرور أكثر من نصف قرن على رحيله، ما يزال مصنفاً خارج الاهتمامات الجزائرية.

قبل ستّ سنوات تبنّى عدد من الكتّاب (من بينهم ياسمينة خضرا، الذي كان وقتها مديراً للمركز الثّقافي الجزائري بباريس) مشروع قافلة ثقافية، تجوب مدن الجزائر، لإعادة تعريف الشّباب بالكاتب، لكن القافلة توقفت قبل أن تنطلق عند تهمة: الخيانة، وتحت ضغط إعلامي، أُلغي المشروع، بحجّة أن عودة كامو لبلده الأمّ ليست سوى عودة “مبطّنة” لخطاب الجزائر الفرنسية، ومن يومها، لم يعد الحديث مجدداً عن صاحب “السّقوط”.

لذلك، يبدو أن العمل الأكاديمي اللافت للأميركية آليس كابلان، على الرّغم من أهميته التّاريخية، لن يجد طريقاً للقارئ الجزائري، فالكشف المتأخّر عن هوية “العربي” لن يغيّر من الواقع شيئاً، كما أن جهد كمال داود في إخراج كامو، من ورطته التّاريخية، يفقد بريقه في الجزائر، فقد انتهى به الأمر بفتوى تدينه وتدعو لإعدامه.

هكذا إذاً، ما زال كامو، بعد كل هذه العقود، نقطة خلاف لم تنته، كما لو أن العربي الذي قُتل في شاطئ، مشمس، لم يغفر له أن يقتل مرتين!

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

أمين الزّاوي

قبل الحبّ بقليل.. رواية ببعد رابع، تعري الماضي وتكشف المستقبل

عبد اللطيف ولد عبد الله الحياة أماكن نرتادها ونجوب شوارعها، شاعرين بخيبتها وآمالها. وكما جاء …

ديهية لويز .. سكنت جسد الكتابة

ما يميّز ديهية لويز (1985-2017)، الكاتبة الشابة التي فقدتها الساحة الأدبية الجزائرية مؤخرًا، في كتاباتها …