الأحد، 26 فبراير 2017

محمد بن ديدة : مواهب متعدّدة وتهميش

بلخير خيري

 

«النّجاح نتيجة العمل، والمكافأة نتيجة الحظ، والحظ رهينة الشّيطان»: ابراهيم الكوني.

من الأشياء الاستثنائية التي حدثت لي في نهايات 2016، لقائي بالمبدع محمّد بن ديدة في مسقط رأسه مدريسة ولاية تيارت، المدينة الكولونيالية التي فتح عينيه فيها في 16 سبتمبر 1980.

عرفته منذ سبع سنوات، قارئا بامتياز للأدب والفلسفة والفنون، وهاجس الكتابة يتربّص به حتّى سكنه كمارد عنيد، وأدخله عوالم فلسفية، وإنسانية عميقة، فكتاباته تنهل من خبراته في الموسيقى والفن التشكيلي، وتجعل من لغته تنساق في نظام إيقاعي و جمالية بهيّة.

قال لي “أنّ هاجس الكتابة هو العالم الذي يستأثر بكل حياتي، هي الوقت المستقطع من كل أوقات عمري، تتخلّل كل لحظات انشغالي بأي شيء في الحياة، الكتابة هي الأكسجين الذي أتنفسه، وحالة التأمّل التي تسبق لحظة الخلق، أجدني قد سافرت بآلة الفكر في إبحار كأنه هيام، ذوبان، أغوص في الأعماق، كأنّما شيء ما أجهله هو الذي يورّطني ويجتذبني، إلى هناك لأعثر على طلاسم، أعمل لوقت طويل على تفكيكها، فتتحوّل إلى أحداث روائية وأفكار فلسفية أطرق بها عوالم ما من الإنسان كقيمة”.

وأضاف: “عندما أضع القلم على الورق، فإنه يركض كحصان مطهّم ، لا أدري كيف تنسجم الأفكار مع الكلمات في موسيقى تآلفية، أعتقد أنها إلهام لا يخضع لأية قاعدة، كما أنّ الكتابة التي أكتبها، تأخذ من خبراتي في الموسيقى والفن التشكيلي، لغة خاصة. لأن الفنّ عموما وكما يقال، يخضع للإيقاع، كل الأشياء الجميلة من حولنا، تتناسق في نظام إيقاعي ينسجم مع الزمن في نبضات راقصة. لأنّ ريشة الرسّام تتحرّك على اللوحة في وحدات إيقاعية، تتآلف مع الروح الراقصة داخل صميم خيال المبدع،  والموسيقى كذلك… وهكذا كنت موسيقيا ورسّاما وكاتبا، فصرت أصف الحدث في الرواية، كما لو كنت أرسم، وصفًا يلوّن الأماكن ويشرح التفاصيل ويناغم الكلمات”

أما أين يجد نفسه : “لا أجدني في الثلاثة معا. بينما الكتابة هي الأم التي تحتضن الفنون كلها”.

وعن أوّل نصّ كتبه: “في السنة الأولى ثانوي، كان قصّة قصيرة واقعية، عن الألم الذي خلّفه عوده الذي كُسر”. وهو النص الذي أشاد به أستاذ اللغة وتنبّأ له بأن يصير كاتبا.

حظي محمّد بن ديدة، بعدّة تكريمات في الفن التشكيلي، كما رافق عازفا على العود في مقطوعة “طلاسم الظل”، الفنان المسرحي الألماني شارل اسوفال، وهو يروي حكايات من التراث الجزائري.

في سنة 2009 ، تحصّل على أحسن خطاب شبابي على المستوى الوطني، لكن فكرة إنشاء برلمان شباب إفريقيا لم يتجسّد.

وفي سنة 2014، تحصّل نصّه المسرحي “حياة ثانية لوجه ميت”، على مرتبة الشّرف لأحسن عشرين نصّ مسرحي، من الهيئة العربية بالشارقة من بين 134 نصّ محترف، نفس النّص سيشتغل عليه الكاتب ويعنونه: “موسوساراما” المعشوقة السّمراء، التي ترمز للأنثى التي يحرمها أخوها من الوصول لمعشوقها “موتيماتي”، وهي أخت قائد مليشيا أفريقي، يدعى “نيغرو”، يتواطأ مع مستثمر غربي، لاستغلال معدن ثمين، يسخّر له من بني جلدته، والثمن تغيير وجه (النيغرو) بوجه رجل أبيض. اعتقدت أنّ الفكرة استلهمها من فيلم “الوجه المخلوع” للنجمين جون طرافولطا ونيكولاس كيج، أو من الأسطورة مايكل جاكسون، لكنّ المتكأ كان قراءته لكتاب فلسفة الجسد للدكتورة سمية بيدوح من تونس، أضف إلى عشقه لموسيقى علاّ : “الفوندو”.

افتك نصّ موسوساراما الجائزة الأولى لأحسن نصّ مسرحي في الدّورة الحادية عشر للمهرجان الوطني للمسرح المحترف، أمام أسماء معروفة كالرّوائي الحبيب السّايح الذي شارك بنص “ليلة الدّم”. يعترف لي محمّد بن ديدة، بأن “ثيمة نصّ ليلة الدم، ربما حالت بينه وبين الجائزة”.

جدير بالذّكر أن النّص أنتجه مسرح سعيدة، وقام بإخراجه الفنّان شوقي بوزيد، وافتك هو الآخر جائزة أحسن إخراج.

من المفارقات التي حدثت للكاتب، أنّه لم يكن مدعوا للحفل الختامي، بل جاء للعاصمة لحاجة في نفسه، وحين علم باختتام المهرجان الوطني للمسرح، في الثاني من شهر ديسمبر 2016، دخل مسرح محي الدّين بشطارزي كأيّها النّاس في الطّابق الأعلى، حين بدأ تقسيم الجوائز، أشار عليه صديقه عبد الرزّاق بوكبة، للنزول والجلوس في المكان المخصّص للمدعوّين الرسميين والفنّانين ، لكن الحاجب منعه من الدّخول، فبقي ينتظر وينظر للرّكح من شق الباب. حتّى سمع مناديا يُنادي…جائزة أحسن نص مسرحي (موسوساراما) للكاتب محمّد بن ديدة .عندها فقط سمح له الحاجب بالدّخول على استحياء.

أما طموحي لـسنة 2017، يقول محمد بن ديدة، فهو “إخراج رواية متميّزة عما هو مألوف في الساحة الأدبية العربية”.

Enregistrer

Enregistrer

Enregistrer

Enregistrer

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الكُسكسي أو «الطـْعام»: ما لا تعرفه عن أُكلة الجزائريين المفضّلة.

د.خيرة منصوري هكذا  كنّا؛ في كلّ يوم  جمعة : تُحضّر قصعة واسعة، تُملأ بالطْعام أو …

عبد الوهاب بن منصور

عبد الوهاب بن منصور: أنا كاتب الخيبات

  عبد الوهاب بن منصور(1964) ينقل القارئ، في روايته الأخيرة «الحيّ السّفلي»(مجد، مدارج، الوسام، 2016) …