الثلاثاء، 24 يناير 2017

من فراق غزالنا: محمد الطاهر الفرقاني

أسماء جزائري

محمد الطاهر الفرقاني
محمد الطاهر الفرقاني

ليست الجُسور فقط من تحمِلنا إلى مناطقٍ استعصت علينا، ليست هي الوحيدة التّي نجرّب عليها تقنية امتطاء الهواء، دون حاجتنا الماسة لمحرّك بديل عن اليابسة للوصُول دون عناء، في دواخلنا كذلكَ جسور تعلو فوق الفوق، وتمتطي مُدناً كاملة كالأفق، إنّها مألوفة كوجه الصّخور، وصبُورة كامتحان الصّبار للصّحراء، نقول «المالوف» بتخفيف الألف، فيقفز إلى وجداننا كجسر، وإن كنّا خسرناه فقد ربحته المَدينة، وما من حجر سيتعذّر عليه استحضاره، فكلّ صباح تطلّ منه هذه البلدة إلا وتسقي وردتَه على النّوافذ العتيقة، فيفوح هو كراِئحة الزّهر في قهوة المساء، ويُقطَّر كماء الورد على أزقّتها الضّيقة المفعمة بالدفء، وسيظلّ يُدقّ ويُدقّ كمسمار في الذاكرة، ليحفر مدينة كلّها على صينية نحاس، فلا برد مادمت تلتحف الأنفس والروائح الغابرة إلاّ من شعورك، وإن كان يمتحننا في الكتابة فأنا أمتحنني في الإصغاء إليه، وهو يُكتتب، فالتلاميذ الأوفياء لا ينجحون في الابتعاد عن أساتذتهم، لأنّهم تفوّقوا على المسافة بالوفاء، وعلى التخلّي بالعودة دائماً إلى مسقط القلبِ، ذلك المكان الوحيد الذّي لن تنساه فيكَ، مهما تقدّمتَ في البدائل، أليس هو القاِئل «واش يصبّرني».

فصاحب «أنا المدلّل» الذي «أفناه فائِض البحر» أدرجنا تحت جناحه وغدونا من الغارقِين، والمدينة الذي أحببناه في «قسنطينة هي غرامي»، وبكيناه بحرقة اللاّ محظوظين في «يا ظالمة»، وتمنينا لو أنّه يطيلُ عناقنا بحبل أعمارنا  في البوغي الذّي نادانا كلنا نحن النسوة بنجمة «نجمة يا نجمة، ما بقى لك صواب في اللّوم عليّا»، تركَ قلوبنا معلقة تُصغي «لتبقاي بالخير يا المتهومه بيّا» والذّي دعانا للحزن «حزنو عليه يا ولادو»، أقنعنا بأنّهم «قالوا لعرب قالوا»، فما كنّا ندركُ أن العين ستظلّ تنحب «من فراق غزالها» وأنّ كلّ منْ وقع في فهم عوده، إنّما وقع في فهم «عاشق ممحون نارو لهيبة»، هو الذي ترك كل محبيه «عند لالاه سهرانين»، وراح ينامُ كجسر على مرأى  التّاريخ، واضعاً حرقته في بالنا، مردّدين آهته «يـــــــــــا مْحايـْنِي».

*نوبة المالوف:

لي صوتٌ من جسر

يعبُره

كلّ من فقدوا أقدام قلوبهم

في حروب الأيام

ما من اسم ألفنا الإصغاء إليه، كنداء الأغنية لنا من أقاسي التّاريخ، وإن كنّا نرتبط بمن سبقُونا بحبل سريّ من العادات والتقاليد، وكُتبهم التّي تقرأنا، بدل أن نقرأها، لأننا عادة لا نحبّ إلاّ الكتب التّي تُصغي إلى داخلنا، والتّي تسمعنا بدلاً من سماعنا لها، فإنّ الصّوت الذّي ينكسِر كأغنية على أوتار العُود، ليُصبح هشاً كطفرة تعبيريّة، يحملنا بقوّة إلى ما كنّا نطمع في رؤيته، هو الوحيد الذّي يصل إلى أماكن بعيدة فينا، الأماكن التّي نشعر أنّنا لا نستطيع بكلّ الجِرار التّي حملناها على رؤوسنا إخراجه، ربّما يشبهُ حمل الموركسي دمعته في جيبه، عائداً بها كبذرة غرست على طُبوع موسيقاه، فكلّ حسرة تكبّدناها، ونحن نسافر كطيُور بلا أجنحة داخل الصوت، تأخذنا حيث لا نستطيع الرّجوع، كانت مألوفة في أعماقنا، كأنّما شيء منّا يستبدلنا ويبقي عليها فينا، مألوفة هذه الحَسرة، كلّما وقعت ريشة على العود أيقظتها، وعلت آهةٌ تستنجدُ من تمكّنها علينا بحبال الفرقاني القويّة، التي يتسنى لها القبض على هشاشتنا، مألوفة كوجه شاهدناه الآن صُدفة، وبقينا مسمّرين في أرضنا، نُحاول تذكّر في أي وحدة تصادفنا به، لم تكن للمُدن غير قلوب طريّة، أما جُسورها من فنانين فوريداً يضخّها بسكانها، وكلّما نظر العتّال إلى جسر على الهواء وهو يقصد «رحبة جمال» اهتزّت المدينة، وتحرّكت الحبال، بينما هدأ تعبه، في كل قوّة يبدلها الفرقاني، كان يوطد العلاقة بين المدينة وسُكّانها، كان يُجيد ربط القُلوب على الحبال، وتسمير أقدام هواجسنا بأرضِها، وما إن يصدح صوته في مدينة غريبة، يتحرك قلبكَ، ولا تدري ما بالك، لكنّه سحركَ الغجريّ، الذّي تركته على الهواء وخطوتك المملوءة بأقدامك هناك، لم يكُ ساحراً لكنه كان يسحر، لم يكُ يمسك بك، لكنّك كنتَ دائما تسمع نداءه، لأنّه كان يثبتك، دون أن يلتفت إليك، يشبه تماماً أبا يناديكَ من أقاسي الالتئام بـ «يا نسيم الصبى»

*نوبة المشتاق:

يـا باهية النظر من شافك

كسر جرة الصبر وجالك

أنا ألّي حط قلبو في أذنو

وبغى يسمع جوابك

آه يا باهية النظر

محزن من رادك

وأنا ألي بيعت على سالفك

عمر

ما شريت بيه غير

خصامك

يتوسّد العُشاق قلوبهم، وتدخّنهم أغانيهم المفضّلة، يأخذون أقساطاً طويلة، وينزلون مرّة ثانية، كمن أخذ نفساً عميقاً قبل الغوص ثانية في العَذابات، يوفّر لنا هذا مِحنة البوغي، لم تكُن نجمة، كانت الضّوء في آخر النّفق، الذّي يفضي إلى تحامل المَصير، ما من حبّ غنّاه محمد الطّاهر الفرقاني، إلا وكان يقصدُنا بداية منه، وإن كناّ عشاقاً اليوم بكثير من الأغاني، فإن ما ألفناه فيه هو استحضارهم فينا، كان يعرفُنا، وكنّا نتّكئ على هذيان السّكارى، ومناديل العذارى، يضعُك اللّحن فوق أحباله، حتى يشتدّ بك الوله، ثم يُطلق حاجتك إلى عنان التحسّر، لا لتُحلق طويلاً بل لتختبر مُتعة الاقتراب، لا الوصول، لهذا حين رغبنا في اللاّعودة، وضعنا أصابِعنا كسماعات على مقدرتنا، مختبرين الشَّجاعة التّي نادى بها جاب الله نجمة وسط أهلها، كان موقنا أنّ أجله يدنو، لكنّه لم يتراجع «حين وصلت شور المضيق بكّاني شفري، صحابي دنوا سلموا قالولي لا لا، عرفوا صوح المضيق فيه يتوفى عمري، وين اللي قالوا نقتلوا على جاب الله»، كل النساء يحملن جاب الله في قلوبهن، ويمتنَ حينَ يعصر قلوبهن قائلاً «حين وصلت لمدينة الهوى عقلي طاير، أقدمت على الموت في رضا نجمة مرادي»، أما الرجال فسماؤهم مليئة بالنجوم، وما من صوت أجاز لذلك الفناء في العشق، أن يكون حيّا بيننا، يسعى كما ألفناه روحا إلا وتماثل في صوته، نحن كلنا حكاية البوغي، لولا تقصير القلوب في ردّات مشاعرهم، لكن ليس في إمكان واحد فينا، أن يكون الفرقاني «الحكّاي»، الذّي استطاع أن يجد لكلّ واحد منّا تهذيبه فنياً، بالعبر التّي تتقاطر كرنين ساقية تغمرك، دون أن تمنحك فرصة إلا لتقول «آه»، ثمّ تعود لتخنق تلكَ الفسحة .

*نوبة المحروق:

لماذا نضع المدن على النار ، وننتظر تبخّر أحبابنا منها ؟

لماذا ننتظر تبخّر المدن حين تلسعنا نار أحبابنا ؟

لماذا لمددنا أحباب بينما لأحبابنا مدنا ؟

لماذا رغم كل هذا لم يستطع أحد إطفاء هذه الأسئلة بجواب، نقبض عليه حين تتبخٍّر ؟

ربما لأنّنا نريد إخفاء حروقنا عن أحبابنا، ونيراننا عن مدننا وتبخّرهم عنّا.

هي المدينة الحارقة «ست النساء» بدت كما لم تبدو سابقاً ، لها وزن ثقيل ، بملاءتها السوداء، تصعد وتهبط على سلّم الروح، فإن كانت نساؤها ارتدتها حزناً على الباي، فإنها المدينة التّي نزعته عنهن حقاً فيه لحزنها، في الأمسيات نراقبها بينما تأخذ شكلاً يتضخّم، ونتساءل أين تذهب تلك الخفيفة التّي ما عاهدناها، إلاّ لأننا عهدناها بذات العُيون، والروائح والأسواق ، المدينة الخفيفة التي ضلت  تتأرجح من على جسر إلى آخر، ومن قلب إلى قلب، لم تكُ وحدك الذّي وقع في غرامها يا الفرقاني، كنّا أكواماً من العشاق، وما من وجع إلا وجرّبناه حباً فيه، لا إرغاماً، ما كنّا نعزيها فيكَ، إلا وكان عزاؤنا بقاءك فيها، وما كنا نعانقُ صوتك إلا حاجة منا لعناقها، وإن كنت متّ، فإن البقاء اليوم أخذ مجرى آخر، فبعد أن كُنت تُعرف بها، غدت تعرفُ بكَ، و بينما كنا نُنسبك إليها أصبحنا ننسبها إليكَ، حاجة منّا وترأفاً بمن سبقونَا إلى الخلود نكتبُ من جديد «قسنطينة هي غرامي» بتداولها على الألسن لا برؤيتها على لسانه، وما عدنا نستطيع حتى وإن حاولنا إشعال نار لإطفاء حرقتنا بلمسها، إلا وسبقتنا الذاكرة لإحراق مدينة بكاملها من النسيان، فنغدو كما ناديتنا «عشاق ممحونين نارنا لهيبة».
*نوبة الفراق:

مانيش نعدّ النّجوم على صباعك

كنت نكذب باش نحطّ إيدي ونشوف

طبعت الحشمة في طباعك

قلتي :

الناس قالوا يبكي كي ما صاب بابكْ

شافوا صوتي يحوم ومن عياه هالك

وأنا أليّ كنت نضحك بالبكى من ريحة كلامك

تكسرت عصى فمي وحشمت نقول : من غيابك

ما تلومنيش جيت قدّام وقتي كي طلبتيني

حبيت نعرف هاذ الجفى كيف صابك

هاذ غرامنا واش خصّو

غير يصلّي ويصوم ويطوف على مقامك

وشفت حسرتك علات على الحاجب

يا من يكذَّب خوفتي من جوابك

أن اللي فنيت مدامعي على لقـاك

واش من عيون بقاتلي

تبكي على فراقك

«يـا ظالمة» تصدح صداهاَ في أفق العُيون الفضّية المليئة بمياه الأسى، كنهر يكاد يتجمّد على مشارف قطب لازال يصرّ على الحركة، يبكينا صوتهم أولئك المخدوعين على لسانِه، المنتظرين الشّاكيين همَّ حبّهم لكلّ الخلائق، القويين بهشاشتهم أمام الملأ، المليئين بالعذابات الظّاهرة على هيئاتهم، الواقفين كأعلام البلديات والمقرات الحكومية، لا مبالين، شاهرين ألوان قلوبهم خفاقة : «لا خجل في أن أكون عاشقا مغلوبا على قلبه»، يـا ظالمة بثقل «أشكيك» تلك الحسرة والألم المنبعثان من أقاصي روحه، يستعملاننا لأغراض شبيهة بالبكاء، الأغنية الحزينة التّي لا تبكيك، هي شبيهة بتلك المآتم التّي ما إن ندخلها حتى تنتابنا هيستيريا الضّحك، والصوت الذّي لا يحمل نفساً عميقاً عند اجتيازه جملاً كـ «طال الضر عليّا وزادتِني غرامك، ما سرحتيني نروح نغدى لبلادك…هيا من كان منفي ما يريد قلبه إقامة، ما وديتيني بخير ظاهر بحسانك، قدّام المولى نحاسبك آه يا ظالمة»، إنّه صوت لتبادل الحديث فحسب، فما من سامع إلا وتنهدّ، وما من عاشق إلا وبكى، وما من مهموم إلاّ ورفع رأسهُ، باحثاً عن خيط السماء، وما من مصاب إلا وأمسك بقلبه، ثمّ صاح صمتاً «هذا المقام لا يقال»، إنّه الصوت الذي لا يؤمن بالفراق حين يترسّخ كآذان لصلاة الغائبين.

*نوبة الخلاص

ماهوش الكلام أللي خصني

خصتني بسمة رفدها طفل صغير من بيناتنا

كي شفتي مع ساعة ايدك

ماهوش الصّوت أللي خصني

قلت نجرب نحكي بعيوني

وكي  شفتو راح يطيح من الشّافر المصبوغ

قلت هاذ عوايد البايعات

ماهوش السكات الليّ يخصني

جيت نشوفك من بعيد

مع ذاك اللي واجعني

إيلاَ بقالك ملام في ديك الكابة

اديه … واتبقاي بالخير

هاذ الفراق جاني بلعاني

يا مسهل فراق

المرتاح.

ليس الموت بل هي صَراحة المدن في حوارها إلى عُشّاقها، هي عفويّتها في الوداعات، فمن بعيد كأنها تحدّثهم عن آجالهم، بينما نحدّث نحن المدن التّي غالينا في حبّها حدّ إفراطنا فيها، بقسوة المتمسك بشدّة على طرفها، وإن كنّا قد استبدلناها بأخريات، فلأننّا حقيقة عجزنا عن فهم ما يربطنا بها فيهن، وكأننا نفتش في المدن الأخرى عن ملامحها، وما كانت مدينة الهوى جسراً، وإنّما كان الفرقاني وهو يودّعها يودّع أسراره بها، الأصدقاء الذين خانوا والذين وفوا، السكان الأوفياء الذين خانهم الموت  فيه، الخونة الذين بكوا بحرقة، تحت ظل صوته كأطفال اكتشفوا لتوّهم، أنّهم تأخّروا عن حرب من لعب هزمها تأخّر البكاء، والأموات الذين كانوا أوفى من خيانة أغنية لا تصلهم.

يهمُّنا دائما بناء حوار جاد لمن نفقدهم، لا لننساهم، بل لنجد طريقة مثلى لسدّ حقيقة الموت بكذبة، أننا مادمنا تعوّدنا على عدم لقائهم، فإنهم يتواجدون في أماكنهم أحياء يرزقون لكن :

لماذا نشعر بهم يطلّون دائماً من مكان مظلم، من تحت السجادة وخلف الخزانة وداخلها وتحت الأسرّة، من ثقب الباب من داخلنا… آه من داخلنا المظلم كم هو موحش حين يطلون دفعة واحدة ؟

– من هم ؟

– الذين يجعلون هذه الأماكن باردة، ويجلسون هم يتدفؤون بحطب خوفهم من أن ننساهم

– لماذا يأتون إذًا

– لأنهم مستعدّين دائما ليكونوا امتحانا لنا، ووليمة نحن لخوفنا من حقيقة أننا فقدناهم كأجساد واكتسبناهم كخوف عليهم

– إذن هم ينتظرون نتيجة ما

– نحن  نرسبُ دائماً في هزم الموت

– الإنسان يا عزيزتي مهما بلغ كماله، سيظل الناقص وعلامة نقصانه موته.

– آهٍ من فراق غزالنا.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

يوم غنّت سيلين ديون متضامنةً مع المرأة الجزائرية

في نهاية التسعينيات عندما التقت المطربة العالمية سيلين ديون، مع الموسيقار الفرنسي وكاتب الكلمات جان …

الشّيخة الريميتي

الراي.. من وإلى الريميتي

فائزة مصطفى تجربة الشّيخة الريميتي (1923-2006) سايرت تاريخ الجزائر على امتداد نصف قرن، لتموتَ سيدة …