الجمعة، 21 يوليو 2017

الاحتفال بميلاد المسيح في الإسلام

فرحات عثمان
فرحات عثمان

في هذه الأيام التي يحتفل فيها إخواننا المسيحيون بعيد الميلاد والعالم كلّه بنهاية السّنة الميلادية، كثر اللغط حول شرعية هذه الاحتفالات في بلاد الإسلام.

الإسلام شوّهه أهله قبل أعداؤه، حين يتجاهلون صفته كخاتم الرسالات السماوية، فهو العهد الأخير، بعد العهد القديم اليهودي والجديد النصراني.

ولا شكّ أن هذا يفرض طبعًا قبول عادات وتقاليد الديانات السّابقة لا تهجينها ورفضها، وذلك من باب الإيمان الذي هو أعلى درجة من مجرّد الإسلام، تماما كما قال به دين الحنيفية المسلمة.

اللخبطة القيمية الإسلامية

تلك هي الحقيقة التي لا يشكّ فيها أي مسلم ولا أي موحّد نزيه، يهوديا كان أو مسيحيا؛ فالإسلام هو الحنيفية؛ إلا أن العديد من المسلمين سهوا عنها وعما تفترض من تداعيات وتصرفات واعتقادات.

بل إن من يدّعي الإسلام من أهله، هؤلاء الأدعياء من المتزمتين الذين ليسوا إلا الأعداء الألد للدين القيّم، هذا الطابور الخامس الذي يسعى للإفساد في العمق وباسم الدين، يعملون على توسيع الهوة بين الإسلام الأصلي الأصيل وبقية تجلياته من يهودية ومسيحية، وحتى غيرهما من الملل والنحل، بما أن دين محمد هو خاتمها كلها.

إن الإسلام يعترف بالإيمان كأعلى درجة من التوحيد، فليست شعائره إلا درجة من درجاته، وهي تبقى دنيا، تماما كدرجة دين التوراة والأناجيل مثلا، لأن الدرجة الوحيدة العليا لهي درجة الإيمان. وهو في التوحيد لا غير؛ فانعدام التوحيد هو الإثم الأوحد في دين الإسلام، بمعنى أن سائر الكبائر فيه من الذنوب فيها الغفران والكفارة والجهاد المستدام لتزكية النفس. فهذه تجب ما سبقها من آثام غير نكران التوحيد.

هذا ما تناساه أهل الإسلام لأجل اللخبطة القيمية التي تميّز اليوم أخذهم بدينهم، مما جعله ظلامية بعد أن كان تنويريا، فإذا تعاليمه سوادا غريبا، فلم تعد الثورة العقلية التي كانت وعليها أن تبقى!

وما من شك أن لهذه اللخبطة القيمية غاية في نفس يعقوب من أعداء الدين القيم؛ وهم، في تموقعهم، ليسوا فقط من الخارج، بل وأساسا من الداخل. ذلك ما أسمّيه بدين الإسرائيليات، أي الإسلام الدعي.

ثقافة الإسلام قبل الشعائر

لهذا، لا غرابة أن رأينا ونرى أهل هذا الإسلام الكذوب يعملون على تصيير الإسلام مجرد شعائر للنجاح في محو كل ما فيه من إناسة كونية وسماحة علمية، أي كل ما يميّزه عن سائر الأديان لصفته كدين ودنيا، أي أنه ثقافة أولا وآخرا.

فهاهم لا ينتهون عن التهجم على أفضل قراءة للإسلام، وهي السلفية الصحيحة، منهاج السلف قبل أن يصبح دعيا تحت وطأة الإمبريالية، أي القراءة الصوفية.

إنهم يعلمون حقّ العلم أن التصوف هو الإسلام الصحيح الأوحد، فيعملون جاهدين على طمس الحقائق التي أثبتها المتصوفة منذ عهد بعيد، أي قبل أن يصبح الإسلام مجرد تجارة بخسة عند من يبيع ذمته لكسبٍ فيه الكثير من التغابن الذي ندد به ديننا أي تنديد.

لنسق هنا، بمناسبة مولد المسيح، مثالا على صحة القراءة الإسلامية التي أقرّتها الصوفية، سلفية الحقائق، ورفضتها سلفية الأكاذيب من إسلام داعشي دعي. إنه مثالا أوحدا لكنه يزخر بالعبر، وهو الكافي والشافي للتدليل على عالمية دين الإسلام وعلميته في تأويله الصّوفي، هذه الثقافة العالمة، أو المسكونية، حسب التعبير الديني(Oecuménique)، ولا شك أن مثالنا هذا يكفي للتدليل على شناعة خطأ من يرفض الاحتفال بعيد ميلاد المسيح في دين الإسلام ممن يدّعيه وهو ليس منه بدون أدنى شك. إنه حقا لا يعمل إلا على إذكاء نار الحرب في دار الإسلام الحقيقية، أي الدار الدنيا، لا تلك التي يريدها أعداؤه مجرّد شعائر تنقض كل ثراء ثقافي فيه، علمي عالمي تليد.

المسيح ما مات وما له أن يموت
المسيح ما مات وما له أن يموت

المسيح في دين الإسلام

هذا المثال الأسنى يتعلّق بالمسيح وكونه لم يمت، وما كان له أن يموت، إنما رُفع إلى السّماء كما جاء في القرآن الكريم. فاليهودية تقول بأن المسيح ابن سوء ولا تعترف برسالته ولا بقداسته؛ بل إن المتزمتون من اليهود ليفاخرون بقتله!

أما النّصارى، فهم يقولون بموته وإحيائه؛ لكن متى كان للرّوح أن تموت؟ وكيف لإله، وهذا ما يعتقده البعض من المسيحيين، أن يموت؟ إنه من الخور الذي لا بعده خور! أما الإسلام فله القول الفصل في الغرض بقوله الحقيقة التي لا مراء فيها: أن المسيح ما مات وما له أن يموت، بل هو حي يُرزق ككلّ روح، وكروح قُدسيّة هي في كلّ البشر إذا سعوا جاهدين بدون هوادة إلى تزكية أنفسهم للاعتلاء إلى مصاف الأتقياء ودرجة الأولياء، فيصبحون بمثابة الملائكة.

طبعا، ليس كلّ الملائكة أتقياء، بما أن منهم من اغتر ويغتر بنفسه فيثور على خالقه، كما فعل إبليس. لذا، لا بد للإنس وحتى الجنّ، للعالمين إذن، مداومة تزكية النفس؛ وهذا هو الجهاد الأكبر الذي يريد من جهل دينه أو حاول طمس معالمه أن يجعل منه جهادا أصغرا، لا خير فيه ولا بركة، بل هو الشرّ كله للإسلام، دين الإناسة والعدل الذي لا ظلم فيه لأحد.

هذا تذكير، وفيه النفع للمؤمنين، أن الإسلام أولا وآخرا كلمة السواء وهي العدل والإمساك عن كلّ سوء. هدى الله الجميع وأنزل سريعا المسيح وقد سبقه بعد أولياء الله الأتقياء لإعادة الأمل في النفوس والسلام في القلوب.

هذا هو الإسلام، سلامة اليد واللسان وقبلها الروح، إذ المسلم من سلم الناس من يده ولسانه؛ فهو الإسلام، دين ما بعد الحداثة، أي دين زمننا الحاضر، لا زمن من غبر ممن يدجل على نفسه وعلى الناس!

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

احميدة عياشي يحوّل الأحداث إلى مشاعر والتّاريخ إلى حاضر

احميدة عياشي يحوّل الأحداث إلى مشاعر والتّاريخ إلى حاضر

عاشور فنّي احميدة عياشي كان، في الثّمانينيات، يقدّم مونولوج “قدور لبلاندي”، في الأحياء الجامعية والأحياء …

مثقفون غاضبون يصدرون بيانا جديدًا، ويدعون إلى وقفة احتجاجية

تضاعف بشكل ملفت أعداد المحتجّين وسط الطبقة المثقفة والمواطنين، من الاهانة التي تعرض لها الكاتب …