الخميس، 17 أكتوبر 2019

اللغة العربية.. بين الخطأ والخطيئة!

رشيد فيلالي

يتطرّف بعض اللغويين المتزمتين في وصف الخطأ اللغوي ومرتكبه بأشنع الأوصاف وأحطها.

ويصل الأمر بالبعض الآخر إلى درجة التّكفير والخيانة القومية وموالاة اليهود، فضلا عن تهمة تشويه لغة القرآن والتراث الإسلامي برمته.

مناقشة هذا النّوع من الأشخاص صعب جدًا بل من المستحيل إقناعهم بضرورة أخذ الحيطة والحذر من إلقاء مثل هذه الأحكام المتطرّفة.

صحيح أن هناك إجماعا على وجوب حماية اللغة العربية من الانحرافات والعبث والسّقوط في اللامبالاة ومن ثمّة فتح الباب على مصراعيه لفناء اللغة وموتها، لكن كلّ هذا لا يمنع في الوقت نفسه من القول أن اللغة كائن حيّ يتغيّر ويكبر ولا يجوز حبسه في قالب جامد بحجة الحرص عليها وعلى صفائها المزعوم، على طريقة حبس الصينيات لأقدام بناتهن كي تظلّ صغيرة الحجم وفاتنة جدًا بالنظر إلى معاييرهم الجمالية، حيث على العكس يشوّه هذا العمل أقدام تلك البنات ويجعلها في واقع الحال قبيحة ومنفرة..

في هذا السياق، أشير إلى أنه مثلما سردنا في وقفات سابقة لا يوجد خطأ في ذاته، والدّليل على ذلك أن هناك قبائل عربية مشهود بفصاحتها غير أنها تخالف غيرها من القبائل العربية في إعراب بعض الكلمات والجمل ويبلغ هذا الاختلاف حدّ التناقض التامّ.

والأمثلة كثيرة جدًا في هذا المجال، على غرار استعمال ما التميمية مقارنة بما الحجازية، حيث يقول بنو تميم “ما هذا بشر” برفع كلمة بشر، في حين في الحجاز يقال “ما هذا بشرا” بنصب كلمة بشر، والنحويون كلّ على حدة يعللون النّصب في “ما” الحجازية بكونها تعمل عمل ليس أي أنها ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، أما التميمية فهي مهملة، حيث يظلّ المبتدأ والخبر مرفوعين، يحدث هذا رغم أن كلا اللهجتين فصيح، فهل يحقّ مثلا للتّميمي أن يخطئ الحجازي والعكس؟ أبدا، لأن الاستعمالين معترف بصحتهما بالإجماع، رغم كونهما متناقضين كلية.

وثمّة مسألة أخرى لا تقل غرابة، وهي الجملة التي يستشهد بها الكثير من النحويين أيضا، أقصد جملة: “هذا جحرُ ضبٍّ خربٍ” إذ حسب القواعد النحوية المتعارف عليها أن “خرب” هي صفة لكلمة جحر المرفوعة وعليه فمن الأصح أن تكون خبرها المرفوع أيضا، لكن النحاة ومادام شاع الاستعمال بكسر كلمة خرب، فقد تمّ تخريج ذلك بالقول أن هذا يطلق عليه مصطلح الجر بالمجاورة، وهو تخريج معقول لكن ضعيف الحجّة كونه يخالف القياس.

وفي الحقيقة أن قوة الاستعمال كثيرا ما تمنح شرعية ﻟ “الخطأ” الشّائع فيتحوّل الخطأ على ضوء سحرها ونفوذها وسلطتها ليس في اللغة العربية فقط بل في الكثير من اللغات، خذ مثلا اللغة الفرنسية، حيث أن الكتابة بالحروف الكبيرة majuscule مع حذف الشكل (مثلا، les accents) يعد في قواعد اللغة الفرنسية خطأ لا نقاش فيه، غير أن الشائع الآن في أكثر الكتابات باللغة الفرنسية بالحروف الكبيرة، هو عدم التقيد واحترام هذه القاعدة على الإطلاق!! رغم ما يعرف على الفرانكفونيين من تعصّب شديد للغتهم.

وليس هذا فحسب فلو اتبعنا ما يقوله المتزمتون من علماء اللغة العربية في كتبهم التي تتناول طرق الكتابة العربية المعاصرة، خاصة تلك الأساليب التي اعتادت الصحافة العربية المعاصرة على إتباعها فإنهم يشنون حربا مسعورة على المحررين الصحفيين معتبرين إياهم مخربين للغة العربية وأعدائها الألداء، مع أن الصحافة العربية رغم هناتها وأخطائها، تبقى أول من أنقذ اللغة العربية من تحجرها وعجزها عن مواكبة العصر، حيث ابتكر أشهر الصحافيين العرب وجلّهم من الأدباء وكبار الكتاب تعابير ومصطلحات جديدة لم تكن معروفة من قبل، حيث نفخوا الرّوح في كلمات ميّتة و أضفوا عليها دلالة أخرى مغايرة لكي تتماشى مع الزمن الراهن، وقد وفقوا في ذلك إلى حدّ بعيد، ولو لا هذا الفعل الجريء والشّجاع والذكي أيضا لكانت اللغة العربية الآن شأنها في ذلك شأن اللغة اللاتينية التي وضعت في المتحف وتستعمل فقط في نحت المصطلحات العلمية، أو في الطقوس والصلوات الدينية التي تصدر عن الفاتيكان.. فتأمل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …