الثلاثاء، 24 يناير 2017

قاموس «الجزائر» في سوريا

صور: أ.ف.ب
صور: أ.ف.ب

تطلّ مذيعة الأخبار، في التّلفزيون الجزائري، بشعرها المصبوغ، لتتحدّث – بسرعة – عن «الوضع في سوريا»، لكن كلماتها تبدو مفكّكة، غير متطابقة مع بعضها البعض، ولا يفهم المتلقي ماذا يحدث فعلاً هناك، هل هي ثورة أم انتفاضة أم حرب أم تمرّد؟!

في الصّباح، تصدر الصّحيفة الحكومية، وتخوض في الموضوع نفسه، بمصطلحات مختلفة قليلاً: تتحدّث عن «القيّادة العامّة للجيش»، عن «عصابات إجرامية»، عن طرفين متنازعين: الأوّل يمثّل الخير والثّاني الشّر، الأوّل يُسمّى الأسد، باعتباره مدافعاً عن «وطن»، والثّاني «جماعات» تارة إرهابية وتارة أخرى إجرامية، تُحاول زعزعة الاستقرار!..

هكذا هي المصطلحات السّياسية التي يتلقاها – يومياً – المواطن الجزائري من الإعلام الحكومي، هو يركض خلف شظف العيش، منهكاً من إجراءات التّقشف الناجم عن سقوط أسعار برميل البترول، والإعلام الحكومي يُحاصره بكلمات ضبابية، لكنه في مواقع التّواصل الاجتماعي سيُشاهد أمراً مختلفاً: جيشاً متعدّد الجنسيات يبيد شعباً، خرج، في البدء، في انتفاضة سلمية من أجل الكرامة والحرية، لكن تحوّلات الوضع دفعته لحمل السّلاح رفضاً منه للخضوع.

من يُقنع المواطن إذًا: الإعلام الحكومي أم الصّور والفيديوهات الحقيقية التي تصل تباعاً من ناشطين من حلب وإدلب؟! هل سوء الوضع الاقتصادي، في البلد، سيسمح له بالتّفكير فيما يحصل بعيداً عنه، في بلد عربي شقيق، لا يعرف عنه سوى شذرات من تاريخه الحديث؟!

بعد نشرة الأخبار، تتوالى البرامج التلفزيونية، التي تُحاول – كالعادة – تحليل وشرح «الوضع في سوريا». واحد من النّشطاء السّياسيين، وهو رئيس حزب – بلا مقعد واحد في البرلمان – يُدافع على الأسد، يلوك كلمات: المقاومة، مواجهة الإرهاب، حماية التّراب.. ويكرّر بأن سبب موقفه ينبع من دعم سوريا للثّورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، في الخمسينيات من القرن الماضي، واستقبالها للأمير عبد القادر، نهاية القرن التّاسع عشر.

منشط البرنامج، شاب حليق، يخلط في كلامه بين فصحى وعاميّة، يُعجبه كلام «النّاشط السّياسي» ولا يعلّق عليه. مع أن الجميع يعلم أن من استقبل الأمير عبد القادر كانوا سوريين، وليس الأسد، الذي ترك بيت الأمير عبد القادر، في ضاحية دمر، غرب دمشق، ينهار، ولم يفكّر في ترميمه سوى بعد مبادرة من المفوضية الأوربية لترميم بيوت قديمة تاريخية في سوريا..

ناشط آخر من ضيوف البرنامج نفسه، على التلفزيون في الجزائر، يتحدّث، بصوت عالٍ، وحماسة غير مفهومة، عن قافلة دعم سوريا، استقبلها بشار الأسد، وهي قافلة مكوّنة من أشخاص نجهل أسماءهم، وصفاتهم، ووظائفهم الفعلية. لست أعرف كيف لرئيس بلد يستقبل وفدا من مجهولي الصّفة! أم أن لهم صفة يجهلها الجزائريون عنهم؟!

ككلّ مرّة، يكتفي الإعلام الرّسمي، في الجزائر، بنصف الصّورة، بالتّرويج لوجه ناصع لرئيس ارتكب وما يزال جرائم في حقّ شعبه، ويتفادى طرح الأسئلة الحرجة حول «الوضع في سوريا»،  ولا استضافة ناشطين فعليين من داخل ثورة الشّعب.

المرّة الوحيدة التي استضاف فيها التلفزيون الحكومي واحداً من المناضليين الفعليين، على المباشر، انتهت فيها المحادثة بشجار، و«غضب» منشط البرنامج، بعدما ذكّر المتحدّث السوري بما فعله أهالي حلب، عام 1956، حين خرجوا في مظاهرة وحاولوا حرق قنصلية فرنسا، تضامناً مع الشّعب الجزائري آنذاك، بينما جاء موقف الحكومة الجزائرية الحالية مُخالفاً لوقفة السّوريين التّاريخية! وانتهت المحادثة، وانتهى البرنامج، وعادت الصّحيفة الحكومية في اليوم الموالي تكتب: «الأسد في مواجهة المعارضة المدعومة من عواصم أجنبية». كما لو أن الأسد رجل السّلم الوحيد المتبقي في سوريا، ولا أحد آخر يدعمه عدا «شعبه»، الذي وضعه بين خيارين: التّجويع أو التّهجير!!

أليست الجزائر «كعبة الثّوار» كما كانت توصف! لماذا إذاً تخلّت عن دعم ثوّار واصطفت إلى جانب خصم الثّوار؟!

«الكلمة» واللعب بالمعاني هي من أسلحة نظام بوتفليقة منذ 1999. حين خرج الأمازيغ للمطالبة بحقوقهم عام 2001 وصفهم إعلام النّظام ﺒ«المخرّبين»، حين خرج مئات الآلاف من التّونسيين في سيدي بوزيد وصفاقس وتونس العاصمة في ثورة ضدّ الرّئيس المخلوع زين العابدين بن علي، وصفهم التلفزيون ﺒ«المحتّجين» وفقط، حين اشتدّت الثّورة الليبية، ظهر في الشّاشة الرّسمية من يُدافع عن القذافي، في مصر حاولوا قدر الإمكان تجاوز الأحداث، وفي سوريا مازالو يردّدون القاموس المُهادن نفسه، ولا مرّة تجرّؤا على لفظ كلمة «ثورة» أو «انتفاضة» في الشّاشة أو في الصّحف الحكومية.

يتمّ التّلاعب بالرّأي العامّ، في الجزائر، بالكلمات، لهذا تبدو الآراء متناقضة في مواقف النّاس من الثّورة السّورية: بين نخبة فهمت دموية الأسد، وشرائح واسعة أخرى، من المجتمع العميق، غير مستوعبة للأمر، تردّد فقط ما تسمع، من دون أن تقتنع فعلاً.

عام 2004، أصدر الصّحافي محمد بن شيكو(1952-) كتاب «بوتفليقة، بهتان جزائري»، حينها لم يكن يوجد قانون يمنع انتقاد رئيس الجمهورية، فتمّ توقيف بن شيكو بتهمة غريبة: «تهريب أموال إلى الخارج»، وحُكم عليه بعامين سجناً، وهذا العام، حُكم على الصّحافي محمد تامالت (1975-2016) بعامين سجناً أيضاً، ومات في السّجن، بتهمة الإساءة لرئيس الجمهورية في قصيدة له نشرت على الفايسبوك. محمد تامالت هو أول صحافي جزائري يموت في سجن جزائري! مع ذلك، لم يتمّ فتح تحقيق مستقلّ في القضية.

مع تكرار ممارسات التّخويف ذاتها، يظهر أن نظام بوتفليقة يُراقب كلمات النّاس أكثر مما يراقب مؤشرات الأمن الدّاخلي والعيش الكريم للشّعب.

المذيعة الشّابة، في التّلفزيون الرّسمي، مازلت تطّل، من حين لآخر، لتحدّث المشاهدين، الذي هزمتهم مشقّة العيش، عن «الوضع في سوريا» أو «الملف السّوري»، كما لو أنّ الشّام ساحة لعب، لا ساحة شعب في مواجهة إبادة مستمرّة!!

في شوارع الجزائر العاصمة أو قسنطينة أو عنابة أو وهران، يحصل أن نصادف يداً ممدودة لامرأة سورية – قد تكون وحدها أو برفقة أبنائها – تطلب مساعدة، قد يكرمها الجزائري أو يصدّها – بحسب المزاج – لكنه، في العمق، سيتعاطف مع حالها، فقد عرف مأساة أشبه بما حصل لها، سنوات التسعينيات، حين كانت البلاد مشتعلة، والموت يحوّم فوق الرّؤوس، والسّلطة تروّج أنها تسيطر على الوضع، بينما أعداد الضّحايا ترتفع يوماً بعد آخر.

سيسأل الجزائري: كيف جاءت امرأة سورية، من بلدها، إلى هنا، لتمدّ يدها في طريق عامّة؟! قد يفترض أكثر من إجابة، لكنه لن يجد في الصّحيفة الحكومية سوى فرضية واحدة: أن ما يحدث هناك «عمليات قتالية»، كما لو أن الأمر يتعلّق بمجموعتين متساويتين في القوى، وليس جيشاً مسانداً من روسيا وإيران وغيرها من الفصائل، في عمليات ضدّ شعب لم يُطالب سوى بحقّه في العيش الشّريف.

قبل خمس سنوات من الآن، تخيّل المواطن الجزائري أن الإعلام سيكون أكثر واقعية، خصوصاً بعد فتح مجال السّمعي البصري، وبداية ظهور فضائيات خاصّة، كان البعض يظنّ أنّ تلك الفضائيات ستصير منافسا للتلفزيون الحكومي «اليتيم»، لكن تبيّن – لاحقاً – أنها ليست سوى نسخا مكرّرة منه، كما أنها ما تزال تحت سيطرة السّلطة، التي تفرض عليها ترسانة من التشريعات التي تحدّ من حرّيتها، فقد استحدثت هذه الفضائيات ليس لغرض دعم الإعلام، ولكن للحدّ من سيطرة الفضائيات الأجنبية.

وبات الجزائري يجد نفسه أمام خيارين متشابهين، إما تلفزيون الحكومة أو تلفزيون خاصّ يكرّر خطاب الحكومة، وصار الطّريق الثّالث لالتقاط المعلومة الصّحيحة هو وسائط التّواصل الاجتماعي، لكن الأنترنيت في البلد ماتزال في درجة متأخّرة، واستخدام النت ما يزال ضعيفاً – بحسب أرقام رسمية، 46% فقط من الجزائريين يستخدمون الأنترنيت –، مع ذلك فإن المذيعة الشّابة، في التّلفزيون الرّسمي، تقرأ وتشاهد صوراً و«بوستات» عن فظاعات آلة الأسد في سحق سوريا، وتتجنّب الحديث عنها أمام الكاميرا، كي لا تفقد مصدر رزقها، والمحرّر في الصّحيفة الحكومية يعلم أن ما يكتبه يومياً ليس سوى الوجه المزيّف من الحقيقة، مع ذلك يستميت في تطبيق التّعليمات العلوية، والمواطن البسيط يعلم أن حقيقة ما يجري في سوريا هي ثورة شعب ضدّ نظام قمعي، مع ذلك لا يجد صدى لقناعاته، لا في التلفزيون ولا في الصّحف الحكومية، وينتظر يومياً لساعات عودة تدفق الأنترنيت لمشاهدة ما يحصل من موت، على شاشة كومبيوتر أو موبايل، وهو ينتظر – بلا جدوى – أن يجد انعكاسا لواقع سوريا في تلفزيونات الجزائر، في اليوم الموالي!

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

مارسيل بوا

مارسيل بوا.. حياة داخل رواية

«العدالة اللغوية» لا مكانة لها في الجزائر، فالبلد مقسّم، منذ الاستقلال(1962)، إلى تجمّعين لغويين اثنين: …

الفاتيكان ومكّة.. أساطير وخرافات!

الفاتيكان ومكّة.. أساطير وخرافات!

في البدء، كان الله. اشتغل ستّة أيّام ثم تقاعد. وجاء بعده نوح، صنع سفينة، وأنقذ …