الأحد، 26 فبراير 2017

هل حصلت مغالطة في القرآن..؟!

جهاد شارف

انتبه القرطبي إلى مغالطة تاريخية في القرآن
انتبه القرطبي إلى مغالطة تاريخية في القرآن

يقدّم ميشال دوسارتو في كتابه “وهن الاعتقاد” تحليلا عميقًا لأنثروبولوجيا الاعتقاد، أو الأنظمة التي تتحكّم في المعتقد، والرّابط الخفيّ بينها وبين اللاهوت بوصفه صناعة المؤسّسة الدينية، وبمجرّد أن يصبح الحدث الذي تأسّس عليه المعتقد قابلا للفحص والتمحيص حتى يزول و يندثر، إذ يفقد صلته بالأصل و تتفكّك من ثمّة استراتيجية التشكّل الموغلة في الغياب.

يصعب أن نقف عند التحوّلات التي طرأت على الكلام/الوحي إذ كما يقول دوسارتو “بمجرّد أن يصدر حتى يمّحي و يندثر”، كما أن تلقّي المنطوق سماعًا يختلف كثيرًا عن تلقّي المكتوب عيانًا، ومهما سلّمنا بأن القرآن قد عبر من النّسخة المسموعة إلى النسخة المكتوبة، فإنّه دائما و أبدًا على عتبة الكتابة المرجئة، متشبّثا بطبيعته الشفاهية، بل إن ألواح موسى هي الحالة الوحيدة التي مارس فيها الله فعل الكتابة، لحفظ الذّكر أو الأساطير الإبراهيمية من الزوال و الضّياع، و القرآن لا يختلف عن تلك النصوص المقدّسة التي التحمت بالكتابة على مراحل زمنية عديدة، إذ المدوّنة القرآنية تشي بلحظتين مختلفتين حصل بينهما تواشج: لحظة الشفاهة أوالآنية الأصلية ولحظة الكتابة، وتمّ نحت هاته في تلك انتهى بقالب نصّي اسمه القرآن الذي نحوزه اليوم.

والصّلاة كحدث تنتمي إلى سرديات الغياب، يقول جواد علي في مقدّمة كتابه تاريخ الصّلاة: “لو سألت أيّ مسلم كان عن صلاته: كيف فرضت عليه؟ كان جوابه في الأغلب: لا أدري، لقد فرضها الله علينا و كفى. و لو سألت اليهودي أو النصراني هذا السّؤال، كان جوابه ذلك الجواب أيضا. إنّه يصلّي لأنّه وجد آباءه يصلّون فهو يصلّي بصلاتهم وقد تعلّمها منهم”.

ثمّة صمت مطبق حول صورة الصّلاة بوصفها “مكاءا و تصدية”، و تأويل عنيد يشي بانقطاع المعنى و بداية سرديات ذمّ فترة ما قبل الإسلام باسم الجاهلية، كاستراتيجية لإحداث قطيعة مع كلّ المرجعيات التي تحيل إلى تلك الفترة، و تم ربط دلالة “المكاء” بالعري(mise-à-nu)، كما جاء في لسان العرب لابن منظور، و ترسّخ في التمثّلات الإسلامية الرّفض الجاهز والعنيف لفهم مرحلة ما قبل الإسلام، باعتبارها مرحلة الجهل والانحلال الأخلاقي و اللاإنسانية، لتصبح الصلاة كحدث كما يقول دوسارتو:”تنظّم الفضاءات من خلال الإيماء/الحركة التي تحدّد أبعاد المكان كما تحدّد الوجهة الدينية للإنسان”.

جاء في لسان العرب: “قال أبو العبّاس: المصلّي في كلام العرب السابقُ المتقدّم؛ قال: وهو مشبّه بالمصلّي من الخيل. والمصلّي من الخيل الذي يجئ و رأسه على صلا السّابق وهو مأخوذ من الصّلوين لا محالة، وهما مكتنفا ذنب الفرس، فكأنّه يأتي و رأسه مع ذلك المكان. يُقال: صلّى الفرس إذا جاء مصلّيا. ويقال: أصْلت النّاقة فهي مصلية إذا وقع ولدها في صلاها و قرب نتاجها. صلوات اليهود: كنائسهم، قال ابن عبّاس هي كنائس اليهود أي مواضع الصلوات، وأصلها بالعبرانية صالوتا، وقرئت وصُلوت ومساجد. قال إنّها مواضع صلوات الصابئين”.

انتبه القرطبي إلى أن هناك مغالطة تاريخية تعتري سورة “العلق”، وكاد أن يعترف بفرضية أن تكون السورة الإفتتاحية في القرآن مجرّد تأليف، ما جعله يرفض أن تعزى تلك السورة إلى أوّل النزول/الوحي، على اعتبار أن الله عندما فرض الصّلاة، أمر النبيّ بتأديتها في المساجد “التي يعلو فيها اسمه”، بل افترض أن الآيات الخمس الأولى قد يمكن اعتبارها أوّل الوحي أمّا باقي الآيات فهي اضافة لأن “التأليف – كما يقول – جرى بأمر الله”، غير أنّ جواد علي قد أغفل الإشكال الكرونولوجي/الزّمني الذي يطال سور العلق والمدّثر والكوثر، و مأزق الفهم والتأويل والتّرجمة في سيّاق الانتقال والعبور، ناهيك عن الاشكالية الأعمق ازّاء المعنى بخصوص الجذر (ص.ل.و/ي) للفعل صلّى ومختلف الاشتقاقات، مثلما هو الحال بالنسبة للفظ “النّحر”.

ما هي فعلا السّورة الافتتاحية في القرآن؟
ما هي فعلا السّورة الافتتاحية في القرآن؟

ما دلالة اللّفظين إذا كانت البحوث التاريخية والفيلولوجية قد قطعت البتّة في أن الصلاة والنحر قد ظهرا في الإسلام في فترة متأخّرة أي الفترة المدنية؟ هل هناك تباين بين “صلاة القرآن المكي و”صلاة” القرآن المدني؟ كيف تحوّلت دلالة الصّلاة من المكاء و التصدية إلى دلالة التقنية؟

إن اشكالية الأحداث التي يسردها ويحكيها القرآن تكمن في غياب الإطار التاريخي والتسلسل الزمني للآيات والسور، التي جاءت متقطّعة على مدى أكثر من عشرين عاما، ولم يكن بالإمكان معرفة ترتيبها إلاّ بعد أن تمّ جمع القرآن فيما سمّي “مصحف عثمان”، لكن ما يثير التساؤل هو أنّنا لا نملك أيّة نسخة عثمانية، لذا من الصّعب أن نجزم بأنّ القرآن الذي بين أيدينا هو بالفعل النسخة العثمانية المزعومة، وهو الإشكال الذي نتج عنه ظهور سرديات “أسباب النّزول”، ليس فقط كمحاولة لموضعة مختلف الآيات داخل إطار تاريخي معقول، وإنّما لإضفاء طابع المصداقية على نصّ قد يعتريه طيف السؤال و يهوي به من سماء القداسة، إذ التحديد الدقيق للإطار الزماني والمكاني للآيات، يعني انسحاب الأسطورة من مدوّنات التفسير وهوامش الشرح.

لذلك عمد العلماء المسلمون إلى وضع نظام تأريخي للقرآن، تمّ الإجماع عليه ليصبح كما يقول مالك شبل “معيارا زمكانيا ينحو نحو فهم الماضي من خلال المستقبل”، وهذا ما استقرّ في منظومة التلقّي أو المخيال المشترك كحاجز صلب يحول دون شق دروب التسآل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الحقّ في المتعة في الفقه الإسلامي

من المفارقات أن الفقه الإسلامي الذي نعمل به خالف صفوة الصّفوة في تعاليم الإسلام السّمحة …

الحشيش في الإسلام

الحشيش في الإسلام.. بين الحلال والحرام!

يتّفق المسلمون، أخذًا بما وصل إلينا من فقه السّلف، على تحريم الحشيش، وذلك بإجماع علماء …