الخميس، 27 فبراير 2020

تايتانيك.. هذا الاسم الملعون!!

رشيد فيلالي

هناك بعض الكلمات تحمل شحنة دلالية سلبية، بحيث أننا نتجنّب استعمالها ونفضّل استبدالها بأخرى أقل شحنة سلبية منها، لأسباب تدخل عادة في صميم المعتقدات والأساطير الشّعبية.

ويحدث هذا ليس في عالمنا العربي فحسب بل لدى شعوب العالم كافّة.

ومن بين الكلمات التي نتجنّب نطقها ولاسيما في الأوساط العائلية نجد كلمات على غرار: الجنّ، السّرطان، الصّرع، العفريت.. وغيرها الكثير.

ويتصوّر النّاس بأن ذكر هذه الأسماء قد يجلب شرّها ويسلّط على من ذكرها وتلّفظ بها، وهذا طبعًا من الخرافات الشّعبية المنتشرة بقوة حتى في البلدان الأكثر تقدمًا..

ولعل من بين الأسماء الأخرى التي طبعت اليوم باللعنة وتذكّرنا بكارثة إنسانية مروّعة اسم الباخرة البريطانية: تايتانيك.. كما تنطق بالإنجليزية، حيث لا يزال الباحثون الذين تعاملوا مع تفاصيل هذه الحادثة الفريدة من نوعها في تاريخ الملاحة العالمية، يتعجّبون من دواعي إطلاق اسم تيتانيك على واحدة من روائع التّحف البحرية الجبّارة، مع أنه في خلفيته الإيتيمولوجية يحيل إلى معنى الهزيمة والخسارة والفشل، اللهم إلا إذا صدقت الأسطورة التي تتحدّث عن تحدّ كبير لله من صانعي الباخرة تايتانيك العملاقة وملاكها شركة «وايت ستار لاين».

وللعلم فإن اسم تايتانيك مشتقّ من اسم إله إغريقي يدعى «تيتان، Titan» الذي تزوّج من آلهة الأرض «غايا، Gaia» فأنجبا 12 عملاقا قاموا بمحاربة كبير الآلهة زيوس فألحق بهم الهزيمة النّكراء و دمرهم!!

وللغرور ثمن في النّهاية، إذ صحيح أن باخرة تيتانيك كانت تمثّل ذروة ما توصّلت له الصناعة والحرف الفنية في مطلع القرن العشرين، لكن كل هذا لا يشفع لملاكها بالتعبير عن تلك العجرفة المقيتة التي انتهت بكارثة غرق الباخرة الجبارة في 15 أفريل 1912 وهلاك على إثرها 1491 راكب، مع التّذكير أن باخرة تيتانيك، التي صنع من قصّتها جيمس كاميرون واحدًا من أروع الملاحم السينمائية الرومانسية في تاريخ هوليوود، عمل في صناعتها 14 ألف عامل لمدة 5 سنوات، ويبلغ طولها 269 متر وعرض 28 مترًا وعلو 56 مترا ووزنها 46 ألف طن(فقط!!).

ويمكنها نقل أزيد من ثلاثة آلاف راكب وقد كان على متنها عند انطلاقها 2603 راكب بقيادة فريق عمل يقدر بحوالي 900 شخص وتكلفة تيتانيك الحالية تعادل 150 مليون دولار(من الغريب أن فيلم جيمس كامرون كلّف ما يزيد عن 200 مليون دولار!!)..

ولا بأس في الأخير الإشارة إلى أن باخرة تيتانيك كانت تمثّل الطبقات الاجتماعية التي عرفها المجتمع البريطاني في ذلك الحين، وهي الطبقة الأولى ممثّلة في الأرستقراطية ثم المتوسطة وأخيرا الطبقة الدنيا.

المثير في الأمر أن 60 في المائة ممن استطاعوا النجاة من الكارثة هم من الطبقة الأولى  الأرستقراطية التي هي بطبعها جشعة وأنانية، فيما فضّل الموسيقيون الموت وهم يعزفون على آلاتهم مقطوعات هادئة للتّخفيف عن نفوس الركاب المرعوبين والمفجوعين وذلك منتهى النبل الإنساني.. فتأمل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …