الأحد، 26 فبراير 2017

أين يلجأ الجزائري حين يمرض؟ إلى الراقي أم الطّبيب؟!

 

محمد بهناس
محمد بهناس

مرض أحدهم، فاحتار المسكين، لدرجة أنه بكى.

ثم إنه سأل ونصحه النّاصحون: عند الطّبيب الفلاني..  الطّبيبة الفلانية.. أطباء البلاد الأخرى.. قمْ بزيارة العطّار..  الممرّض..  الحجّام..  الحمّام.. “النّبكة”.. الـ.. ماذا؟

وهكذا، ظلّ المريض يتنقّل ما بين هذا وذاك وذلك حتى وجد نفسه أخيرًا عند الميكانيكي المجاور للمشفى، دخل المرأب، نزع ثيابه، وقال للميكانيكي: أرجوك .. شخّصني!

لكن كلّ ذلك تغيّر حين حلّ الراقي بيننا!

أذكرُ حين جاء الشّيخ الراقي إلى مدينتنا صبيحة ذلك اليوم؛ واشتهر في اليوم الموالي من دون إشهار مسبق ولا ملحق.

صار حديث العامة الذين لا شغل لهم سوى النسنسة على عتبات المقاهي والبيوت. العجائز المسنّات صرن يحلفن برأسه ويشتمن أي أحد يذكره بسوء أو حتى يخمن أن يفعل ذلك. أنا ذكرته بسوء لكنني لم أحلف لا برأسه ولا بقدميه.

السكّان يجيئونه زرافات من كلّ حيّ ومن كلّ ميت. حتى جدتي الحمقاء استطاعت أن تقنع النسوة بأن يجتمعن في البيت ليزرنه معًا ويقدمن له الهدايا والعطايا.

في اللحظة الحاسمة دخلت على النسوة ورحت أخطب فيهن بغرض التوعية، وأشير إلى أن الرجل لا يمارس الرقية الشرعية وإنما يمارس… وقاطعتني فردة امرأة ذي كعب عال كادت تودي بذلك الشيء، وقبل أن أتمكن من الفرار جذبتني أخرى من عباءتي وكنت لا ألبس شيئا سوى العباءة فتمزّقت بفعل مخالبها وانكشفت على حقيقتي.

بدوت عاريا بالكامل ما جعل العجائز يندبن ويصرخن عاليا في وجهي وأنا لم أعرف كيف أتصرف ولا كيف أستر عورتي، خصوصا وأني تموقعت وسط العجائز في حلقة مغلقة. ماذا أفعل؟ وماذا أستر؟ هل أنحني إلى الأمام لألتقط قطعة قماش لأتستر.. أم أنحني إلى الوراء؟

وبسرعة رحت أضع يدًا على الأمام ويدًا على الوراء وتمنّيت لو أن لي يدا ثالثة لأضرب بها فوق رؤوسهن، غير أنني صرت أقفز كالكنغر ولكن فقط أراوح مكاني كجندي معاقب.

ولأنني داهية.. ستين داهية، خطرت لي فكرة أن أقفز داخل فستان عجوز أعجبني فضفاضا وهكذا دخلت فستانها وخرجت منه العجوز حمراء عارية سوى من التجاعيد، بدت هي كالغولة وبدوت أنا كالمهرج بفستانها الذي يصل فوق الركب، وقد أغشتني رائحته التي تشي بأنه كان مدفونا في قاع الصّندوق منذ ليلة عرسها قبل قرنين من الزمن.

حاولت أن أشغلهن حين رحت أتمشّى بغنج عارضة أزياء، مبديًا ساقاي الرقيقتين التي شكّلت الرقم 11، أدور وأنحني إلي الأمام وإلى الوراء هذه المرّة وإلى الشمال وإلى الجنوب المهمّش دائما، وأغمز، أعضّ، أبصبص وأفعل كل شيء، حتى استطعت بحنكتي وبفياقتي أن أفعل فيهن مثلما تفعل الخميرة بالعجينة، ومن ثم قفزت إلى الباب والتفت إليهن مادًا لساني كالسلوقي، مستعملا أذنيّ على طريقة الأطفال، ومن ثم وهبت سيقاني للريح.. ليس للريح..  كان ثمّة مطر.

حين أصرت جدّتي على الزيارة، وهي عنيدة كذبابة، لم أجد سوى الفستان الذي سرقته من تلك العجوز البدينة، ولأني طويل ونحيف أو لأن الفستان قصير وفضفاض محوت ركبتّي وجعلت الفستان يبدو بشكل لائق ورائق. أيضا سرقت شعرًا أحمر مستعارا وحلقت لحيتي بالكامل مع ذلك ظللت بوجه أحرش كثوب القنفذ، لكن لا أحد سيحدق في وجهي والقلوب كلّها متّجه إلى الشّيخ عبد الباقي الراقي الذي عبث بأشواق عجائز المدينة.

حين دخلنا النسوة وأنا إلى سكن الراقي وقابلنا بدا لنا، أو لي على الأقل، بشكل غرائبي يشبه شخصيات الأساطير ملطّخا بالحناء معتمرًا قبعة بيضاء ليوهمنا بأنها مبعوثة من السّعودية خصيصا لأجل رأس عبد الباقي.

رجع الشيخ إلى حجرته، بينما علت واختلطت أصوات صراخ لرجال ونسوة كانوا جميعا داخل الحجرة المخصصة للرقية، ولا أحد يعلم ما يدور ولا أحد يشكّ بأن ثمة رقية جماعية لعدد من الرؤوس.

فجأة خرج فريق من الرجال والنساء وأيديهم وأرجلهم مدلاّة إلى الأرض مرهقين بالكامل، وقرب أجلنا نحن، وصارت قلوب العجائز تخفق، وقبل أن يرفع الشيخ صوته كانت النسوة داخل الحجرة. تبعتهن بسرعة حتى لا ينكشف أمري وأغلق علينا الرجل الباب.

طلب منا أن نخلع خوفنا ونتركه جانبا، وهكذا خلعنا ما أمرنا به. راح يقرأ بصوت متهدج قصار السّور ثم تعاويذ فطلاسم وأشياء أخرى غامضة ومشتبكة ومن ثم يرشنا بماء لا أدري من أين جاء به! ارتفع صوت الشيخ وراح يرتقي صوت العجائز شيئا فشيئا ثم فجأة انقلبت الأصوات إلى صراخ وعويل: هااي .. هااااي .. آآآي..

وفي غمرة الجلبة ومن دون وعي مني طار شعر رأسي المستعار، وبدوت قبيحا أكثر من اللازم، وفي التوّ قفز الشيخ إليّ، مستعيذا بالله ومحوقلا، وقد تغيّرت ملامح وجهه بالكامل: من أنت؟؟

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

باربي

الدّمية «باربي» تلبس الحجاب؟!

باربي، هي واحدة من أكثر الدّمى شهرة، في العالم، بيعت منها أكثر من مليار ونصف …

شطرنج

بالفيديو.. العب شطرنج على الفايسبوك

في الفايسبوك، توجد كثير من الألعاب، ومن التّطبيقات الخفيّة، من بينها لعبة شطرنج، التي أطلقتها …