الأربعاء، 21 أغسطس 2019

الأدب البديل.. بدايات التّأسيس!

عيسى قارف

في مقابل السّينما الرّسمية وسينما النّخبة المحترفة ظهرت موجة السّينما البديلة ومثلها شاع مصطلح البديل في فنون عدّة، كالمسرح والموسيقى والصّحافة..

وبقي الأدب البديل مصطلحا غائبا في ظلّ هيمنة الرؤى النقدية التي تؤطرها المرجعيات الأكاديمية بما هي عليه من صرامة، وعلمية.

ورغم شيوع مفاهيم جديدة من قبيل «نهاية الأجناس الأدبية» و«النصّ المفتوح» و«القصيدة التفاعلية» كمقدمات لأدب جديد، إلا أن مفهوم الأدب البديل ظلّ بعيدًا عن الطّرح وهو موجود في الواقع منذ انفتاح أبواب النّشر الإلكتروني وانفلات أطر التّعبير بحيث أن الإسترسال الأدبي لم يعد مقتصرًا على تلك الأسماء الكبيرة التي ما فتئ القارئ العربي ينتظر إصداراتها، بل إن هذا القارئ قد غيّر مكانه إلى جهة الكتابة، فنحن نقرأ يوميًا لكتّاب مغمورين على صفحات النت وفي الفايسبوك، نصوصا جديدة في شتى (الأجناس) الأدبية دون الخوض في مدى أدبيتها.

لكن الواقع الجديد الذي يتغافل عنه الكثير من كتّابنا ونقادّنا المعروفين ينمّ عن سوء تقدير لهذه الموجة في غياب قراءة متأنية، ولو أن بعضهم التفت إليها براغماتيًا، محاولاً كسب قرّاء مميزين(حاذقين) – على رأي جوليا كريستيفا – هم بالأساس كتّاب العصر الحاضر,

مصطلح الأدب البديل

لا توجد إشارة لهذا المصطلح إلا من خلال البعد التّاريخي في إطار أدب الخيال العلمي، فلفظ البديل يرد في أغلب المصادر بهذا الشّكل «التاريخ البديل أو بالإنجليزية (Alternate history) أو الواقع البديل بالإنجليزية أيضا alternative reality».

أما الإشارة الأخرى له فتدلّ على رقمنة الأدب في ظلّ التكنولوجيا الحديثة وما ساد من النّشر الإلكتروني وشيوع هياكل ومنظّمات رقمية على غرار اتّحاد كتّاب الأنترنت، ويرد هذا مجملا في ندوة غطتها جريدة «الدستور» الأردنية، العدد: (16977س 48)، حيث يتّفق  الشاعران محمد سمحان ونورة تركماني أن «البديل، حالة تنطبق على الشّعر والرواية وغيرها من صنوف الإبداع التي حملت توصيف الكتابة الرقمية» وهو التوصيف الأقرب لما نقول به إذا استثنينا فكرة الرقمنة التي لا نرى أنها بالضرورة، ونقترح – تعريفا له – أن كلّ منجز نصّي مُخالف للسّائد الأدبي يتّسم بنوع من الثورية له نسقه الخاص وأسلوبه المميّز وطابعه الإبداعي، وغير خاضع للمؤسسة بأشكالها هو أدب بديل، بصرف النّظر عن مستويات أدبيته طالما لا يخرج إلى جنس آخر مؤطر كالصّحافة.    

إن الأدب البديل الذي نقول بوجوده سيفرّض خطّه في قادم الأيّام كأدب قابل لتمثّل الحالات الإنسانية انطلاقا من رحمها الأم، أدب شبه تواصلي/ إنجازي، يتّسم بنوع من المحايثة والآنية لكنه قابل للتطوّر، أدب غير مؤدلج  نخبويا، حرّ من الخطّ الرّسمي والإنتمائية المفرطة التي جنت على أدب النّخبة، أدب يعزف موسيقاه الخاصّة غير ملتفت للضّرورات النصية، أدب متمرّد لا تتحكّم فيه إلا الأمزجة والتحصيل المعرفي والثّقافي لكاتبه في محاولة للتأثير بالاعتماد على بنية بسيطة سردية كانت أو شعرية أو خطابا مفتوحا لا يخلو من «نظام بنائي وبنية منطقية» (فوكو معرفا الخطاب)، يمارس نمطًا جديدًا من السّلطة.

إنه أدب بديل عن النّصوص المهيمنة سواء بالآلة الترويجية النمطية متمثّلة في مؤسسات النشر الرسمية وغير الرسمية أو تلك التي تفترض ما يشبه «الراوي العارف»، والتي اعتاد الكثير من كتّابنا الكبار مخاطبة قرائهم بها، مع ما هي عليه من اعتلائية يقف فيها الكاتب موقف المؤدّب والحكيم المجرّب، أو تلك النّصوص البلاغية المتقعرة التي تحاول عادة إثبات فحولة لغوية لم تعد مجدية لدى قارئ اليوم بقدر اندهاشه للرؤية الجديدة المبدعة والمغايرة للسّائد، ومع ما يلاحظ من مزج في بعض النصوص بين أكثر من جنس أدبي فإن أي نقد منهجي لها قد يخل بدائرتها الهيرمينوطيقية، ذلك أن النظرة التأويلية لمثل هذه  نصوص هي نظرة حذرة نظرًا لطبيعة كتّابها ومرتكزاتهم المعرفية الشّديدة التباين، فنحن لا نتكلم عن أدباء محترفين يمكن الرّكون إلى أصول مشاريعهم الإبداعية، بل تكاد بعض الكتابات تكون بالغة الظرفية في شكل انطباعات لا يظهر أصحابها لاحقا، ناهيك عن شيوع الأسماء المستعارة.

الأدب البديل.. كيف نعرّفه؟

وقد حاولنا مُتابعة بعض الأسماء والنّصوص التي تشتغل على هذا المنحى ما دفعنا إلى التّفكير في إفراد عمل خاصّ للتّدليل على الظاهرة، وسنكتفي هنا بتبيين ما خلصنا إليه من إثبات لبعض السّمات المشتركة بين هذه الأعمال.   

سمات الأدب البديل

  • التمرّد، والتحرّر من كلّ قيود الأبوية والمؤسساتية والمركز والانتماء.
  • اتّخاذ منحى نقدي ناقم على السّائد والمكرّر.
  • عدم الالتزام بقضية بعينها.
  • التوليف النصّي بين الفصيح والدارج واستعمال ألفاظ من لغات أخرى في بعض الحالات (مثلا يقول أحدهم: ابتسمت، وقلت لها: راكي فور! ).
  • المزج بين أكثر من جنس أدبي في النصّ الواحد، بحيث يمكن أن نقرّأ نمطًا سرديًا مشحونا بنبرة «زجل» أو ربما بما يشبه «الهايكو».
  • الكتابة أحيانا بأسماء مستعارة (خصوصا لدى النّساء).

وغيرها من السّمات التي تشترك فيها نصوص تائهة يتم تقاسمها(partage)بين روّاد النت والفايسبوكيين، وكنت قد نشرت على حائطي الفايسبوكي نصًا لسيدة مغربية باسم مستعار، موضوعه: «الرّجل قلم والمرأة ورقة»، وهو يجسّد بإخلاص كلّ ما ذهبنا إليه في توصيف مثل هذه النصوص.

ومع هذا ستطرح الكثير من الأسئلة حول ماهية الأدب البديل وهل يمكن اعتبار كلّ أدب مختلف بديلا في حينه، وبهذا ألا نعتبر الإنجازات المبكّرة لكلّ الأدباء السّابقين كانت للحظتها أدبًا بديلاً؟ ثم ما الأسس التي يمكن بها تمييز النمطي من المختلف؟ وهل تكفي النظرة الإستيطيقية (باومجارتن، كانط، إلخ…) لتوصيف بدالة الأدب؟

أما سؤال النّقد الجادّ والمتخصّص فقد ينحصر حول مدى أهمية الأدب البديل والمناهج الممكنة لتناوله، ولأن النصوص لا يمكن أن تخضع دائما لقيمة فنية ثابتة، فإن المناهج المتوخاة نقديًا لا يمكن أيضا أن تعمل إجراءاتها على جميع النصوص الجديدة، فهذه الأخيرة قد تكون ذات قيمة في ذاتها نظرا لأبنيتها المتميزة، وكثافتها وعمقها، كما قد تكون نصوصا بالغة السّطحية لا يتم النظر إليها إلا من خلال كونها مدونة – مثلا – لمرحلة تاريخية بعينها.

وغيرها من الأسئلة التي لا أدعي الإجابة عنها مفردًا بقدر ماهي مشروع نقدي مفتوح للإلمام بالظّاهرة الجديدة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

العاهرات يعدن هذا الأسبوع

بُترت ساق الطّريق، وانفض من حول الحمام الرّيح، تعكّر مزاج السّماء لكنها رفضت أن تنوح، …

يوم تافه... وأشياء أخرى!

يوم تافه… وأشياء أخرى!

على نافذة الغرفة، لم تعد أمي تضع قشور البرتقال، لتجفّ. ما عادت أيضا تضع قشور …