الثلاثاء، 24 يناير 2017

كيف نعيش في مجتمع معاق..؟

 

محمد بهناس
محمد بهناس

المرء الذي هو من ذوي الاحتياجات الخاصة، والذي هو معاق جزئيا أو كليا، والذي به عتهٌ أو تشوّه أو لوثة جنون والذي به دروشة من أثر فقر أو ديْن.. هؤلاء جميعًا لن يعيشوا بسلام في مجتمع هو نفسه مُعاق ومعتوه وريقه دائم السيلان.

في برنامج تلفزيوني غربي قديم، يجهّزون القاعة بجهاز كشف الكذب، ويجيئون بضيف من ذات المجتمع، ومع الضّيف يأتي الأهل والمعارف والصّحب. يقعد المدعو بكلّ ثقة في المكان المخصّص لاستقبال الأسئلة التي تنطلق، مثل برنامج (من سيربح المليون)، بدءً من السّهل إلى الصّعب فالأصعب.

وهكذا، يجد الرجل نفسه في تحدّ كبير قبالة الأهل والمعارف وجهاز كشف الكذب الذي لا يكره الضيف ولا يحبّه. الأمر نجح في الغرب بالطبع، ولأنه نجح عندهم، ولأننا نحبّ التقليد عملا بالمثل الشعبي (عاند ولا تحسد)، أرادوا أن يجربوه عندنا..

وبالفعل، جيء بالجهاز إلى البلاد العربية الكبيرة، وراح أحد التلفزيونات يُحاكي في برنامجه برنامج الغرب، ويا للحسرة! فشل مع أول سؤال بمجرد اختباره على قطّ عربي.

هنالك من يرى أن الاعتراف بالحقائق يعدّ نوعًا من الجهر بالمعصية. وليكن، يا عمي الملاك، فلماذا أيها العربي الصنديد، يا سليل الجبابرة، تتمادى في معصيتك إذا كنت تقرّ بأنها معصيّة؟ لماذا لا تعترف أمام العالم بأنك فاسد أفسد من الكوممبير، وبأنّك سام أسمّ من البرّستم؟

إن المعاق شخص منبوذ في مجتمعنا العربي. إنها الحقيقة. لماذا لا نعترف بذلك؟

خذ فتيحة أنموذجا في المجتمع العربي، وهي المرأة المثالية التي لا تتأخّر ولا مرّة عن الأعراس جميعها.

تقعد فتيحة قبالة حليمة ويدور بينهما حديث على أعلى مستوى، وطبعا في النّميمة.

تضع حليمة طفلها بجانبها على الفراش. تقوم فتيحة بمداعبته، وربما تلقمه ثديها وهي تلح عليه: هيا.. ارضع ياصغيري، دع حليبي يتشرفّ بمعدتك!

بينما نتخيّل المشهد نفسه من دون الوليّة حليمة:

تنظر فتيحة إلى الطّفل الذي ينام في موضعه بأمان، ولأن المواضع كلّها محجوزة، ولأنها متعبة جرّاء الرقص الذي دام أكثر من شهر، تلتفت ذات اليمين وذات الشمال كأنما ستقطع الطريق، وحين لا يكون ثمة أحد تقطع عن الطفل نومه وتدفعه بكل ما أوتيت من ساق طويلة، بحيث يتدحرج الطّفل بعيدًا عنها وتتبعه بعينها متتمتمة: من أين جيء بهذا القرد الصغير؟! مع أن الطفل سليم تماما، حتى إنه مؤدّب لا يردّ على إساءتها.

ماذا لو أن الطفل معاق..؟ ماذا لو أنه يقوم بحركات غير طبيعية بالنسبة للطبيعيين مثل فتيحة، حتمًا ستسحب فتيحة مسدسها وتقتله بطلقة واحدة!

في الشّارع، لا يسلمُ طفل معاق به دروشة أو بلهٌ من سخريّة أترابه. ها هم يطاردونه من ركن إلى ركن، يرمونه بالحجارة ويعيّرونه مستعملين أيديهم وأشياء أخرى، وكان هذا الذّي يعيّرونه، هذا الذي قبل قليل فقط صديقهم الصحيح الفصيح.. كان يمكنه أن يرد الإساءة عن نفسه بنفسه، ولكنه في الشّارع، لا يمكنه سوى أن يتعرّض للمزيد من المرض.. المزيد من الجنون.

حسنا، إن المُعاق، بالفعل، شخص غير طبيعي، إنه استثناء، إنه أفضل منّي ومنك ومن فتيحة التي لا تتأخر عن أداء واجباتها.

مرّة أخرى، لماذا لا نعترف بأننا مجتمع معوّق؟ ها أنا أكثركم جرأة: أنا فاسد أيّها العالم، ولو أنني شربة ماء صبّت في خزّان المدينة لأهلكت من في المدينة جميعًا بما في ذلك الحيوان والنّبات والهواء.
 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

من أجل ديبلوماسية مغاربية عليمة

هذه سنة تولّي وأخرى تأتي، ولا من جديد في ربوع مغربنا الأمازيغي العربي. الأسباب كثيرة: …

الاحتفال بميلاد المسيح في الإسلام

الاحتفال بميلاد المسيح في الإسلام

في هذه الأيام التي يحتفل فيها إخواننا المسيحيون بعيد الميلاد والعالم كلّه بنهاية السّنة الميلادية، …