الأحد، 16 يونيو 2019

لا عصمة في العلم!

رشيد فيلالي

لا توجد عصمة في العلم، ولذلك فإن العلماء والخبراء والباحثين بمن فيهم الكبار والعباقرة قد يخطئون ويرتكبون هفوات مربكة وحتى مضحكة أحيانا!

وعليه فإن في التّاريخ الإنساني وقعت حوادث سقطت فيه آراء عدد كبير من العلماء في الماء، وهذا نتيجة سوء التقدير والرؤية المضببة للأشياء والوقائع.

كثيرون منا مثلا يتذكرون ما يسمى «Bug 2000»، أي ذلك التّحذير المرعب الذي أرسله علماء الإعلام الآلي في جميع أنحاء العالم، ذاكرين بأنه في ليلة حلول السّنة 2000 سوف تتوقّف كلّ حواسب العالم عن العمل، وتشلّ أثناءها جميع المؤسسات وتدخل البشرية في أزمة غير مسبوقة، يصعب إيجاد حلول حاسمة لها، وهذا لأن نظام الإعلام الآلي – حسبهم – يعمل وفق نظام شيفرة الرّقم المزدوج 01 وعندما تحلّ سنة 2000 يجب أن يعمل بنظام 02 وصدق الجميع هذا التنبؤ المرعب الذي نتج عنه ترقّب مخيف لليلة الشكّ الكبرى، وهل سيستمر الإنسان في الاستفادة من ثمرة قرون من البحوث في عالم الرياضيات التي تولد عن تراكمها صناعة الكومبيوتر، بكل حسناته التي لا تعد ولا تحصى؟

و.. مرّت الليلة بسلام وسقطت كلّ توقّعات الخبراء في الماء، ولا عصمة في العلم كما قلنا واستمر الحال على حاله وتواصل العمل بأجهزة الكوبيوتر بطريقة عادية جدًا.

وعندما نتذكر هذه الحادثة الآن نضحك على سذاجة علمائنا وسقطتهم المثيرة، وعليه يبقى الإنسان مهما أوتي من قدرة عقلية فذّة واستثنائية خارقة ليس معصوما من الخطأ..

وضمن هذا السّياق أذكر حادثة أخرى لا تقلّ طرافة، وقعت تحديدا بتاريخ 31 أكتوبر 1958 بفرنسا، حيث نظّمت هيئة تدعى «لجنة دراسة المصطلحات التقنية الفرنسية» يوما دراسيا قالت أنه «تاريخي» وقد حضر هذا اليوم ممثّل عن وزير الصناعة والتجارة، المدير العام لغاز فرنسا، مجموعة من أساتذة من مدرسة اللغات الشرقية، رئيس الجمعية الفرنسية للكتاب العلميين، أساتذة من جامعة السوربون، مدير قسم العلوم الدقيقة والطبيعية باليونسكو، رئيس ديوان المدير العام لشركة الخطوط الجوية الفرنسية، إلخ..

وحسب توصيات هذا اليوم الدراسي الموصوف بالتاريخي فإن أهم ما جاء فيها (وهنا أفتح قوسا ليتأمّل الجميع فيما يأتي): «..إن علماء اللغة لا حظوا بأن بنية اللغات ومصادرها التعبيرية تطوّرت على نحو أقل على مدى مسيرة التاريخ، مقارنة بتطوّر العلوم الإنسانية والتي عرفت تزايد مضطردا في الاكتشافات متبّعة في ذلك تطورا هندسيا، وإذا لم ننتبه لهذا الأمر سيأتي زمن حيث التطور العلمي سيوقف أو بالأحرى سيوضع له حدا بسبب جمود اللغة، جراء الاختلال الناجم عن عدم مواكبة المفاهيم والمصطلحات لنسق التطور التقني الحاصل، وهذا الاختلال في إيجاد التعبير اللغوي الضروري والمناسب سيهدد الفكر العلمي بالجمود والذبول».. طبعا لا شيء من هذا حصل والمصطلحات العلمية تولد وتبتكر يوميًا، وإذا صادف ولم يجد المتحدّثون بلغة ما مصطلحًا مناسبا يقترضونه من لغة أخرى وهكذا دواليك..

وعليه فقد أخطأت اللجنة الفرنسية المذكورة في توقعاتها ومخاوفها المبالغ فيها جدا على طريقة «بوغ 2000»، ولا عصمة في العلم مرّة أخرى.. فتأمل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …