الجمعة، 23 أغسطس 2019

كوثر نموشي تكتب: ليتني لم أسرق مكياج أمي

كوثر نموشي

ليتني لم أسرق مكياج أمي، ولم أفسد كلّ أحذيتها، ولم أكسر تلك الكعوب العالية، وأقضي الأعراس في غرفة التبديل، مفتونة بملابس الكبيرات، ومكياجهن، وعطرهن، وأسرارهن. وأنا أكره عمري الصغير جدا، وفستان الصغيرات الذي أرتديه…

ليتني كنتُ من أولئك الفتيات اللواتي يسمعن الكلام من أوّل مرّة، ولا يُجادلن ؛ اللواتي يتركن شعرهن يطول، ولم أكن من اللواتي يبْكين، كلما مررن على صالون حلاقة، ويتمرّغن في الارض، لأجل قصّ شعرهن :

coupe garçon , coupe  carey , coupe diana , coupe sauvage ، كلهن جرائم ارتكبتها في حقّ شعري، وادرك الان كم كنت شريرةً بحقه؛ لن أنتقم من خيباتي فيك بعد الآن…

لكن أعترف لك. قصُّك أعطاني جرعة قوّة، وثورة في كل مرّة رأيتك بشكل مختلف وكأنّني أخرى… وكأنّني أقوى.

ليتني لم أسرق مكياج أمي، ولم أفسد كلّ أحذيتها، ولم أكسر تلك الكعوب العالية، وأقضي الأعراس في غرفة التبديل، مفتونة بملابس الكبيرات، ومكياجهن، وعطرهن، وأسرارهن. وأنا أكره عمري الصغير جدا، وفستان الصغيرات الذي أرتديه.

ليتني استجبت لأمّي، عندما نادتني في الظهيرة للدخول، ولم أُحرّض بنات الحي على البقاء خارجا، واستكشاف الحي، الذي خلفنا والذي بعده، حتى نَتُوه، و«ناخدو طريحة» الكفر بعدها.

ليتني تركت أمي تُلبسني على مزاجها، وتمشطني، وتزوّجني، وتخطط لحياتي على مزاجِها، فكلّ من فعلنَ الآن سعيدات .

ليتني لم استعر رواية «البؤساء» من المعلمة، ولم أقرأها في العاشرة من عمري، وما التَهَمت بعدها كل جريدة، وكل قصاصة، و مجلة و كتاب و رواية و نكتة ومقالة…

ليتني درست علميةً في الثانوي، وما دخلت أروقة انا والاخر، واللغة تعيق الفكر، وما كنت أدبية، ولا درست في قسم اللغات الاجنبية، في ثانوية المالح، وما تعرّفت على فاطمة و نريمان و خديجة و سعاد… سعاد التي بكيتُ ثلاثة أيام على موتِ أبيها خفيةً، دون أن يراني أحد، لأنني كنتُ أُتّهم، بأن ردّات فِعلي مُصطنعة، ومبالغ فيها، ولأنّ لا أحدَ بكى.

ليتني ما ذهبت لتلمسان يوما، وما اكتشفت حقيقة الحياة، وما لُقنتُ دروسها. لو انني لم ادرس العلوم السياسية والعلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية وحرقت اعصابي، التي كانت مشدودة كوَتَر طيلة خمس سنوات، ولا عرفت ما عرفت، ولا جهلت ما جهلت، ولا صرّحت بما صرّحت، ولا اندفعتُ، وتحمّستُ، وثرتُ معتقدةً أن بامكان الواحد أن يُغيّر العالم…

ماذا لو درست تخصصا سهلا من ذلك النوع الذي ما إن تكمل الدراسة حتى تجد عملا، وعشتُ أيام الجامعة كما عاشتها فتيات الاقامة، وهنّ يستكشفن الحياة، ويستكشفن أنفسهن، ويتلاعبن بالقلوب، وبتقاسيم اوجههن…  وإنني عندما كبرتُ، وأصبحتُ الجسدَ الذي حلمتُ به، والسّن الذي شددتُ الوقت من شعره، ليأخذني إليه ما حققت كل ما تطَلَّعت له تلك الصغيرة. سنبقى نتذكر لحظاتنا الحزينة، ونعضّ الشفة السفلى ندما…

والحقيقة أنه لولا تلك اللحظات لما كنا ما نحن عليه، وما نفخر بكوننا عليه اليوم ؛ لولا من كسرنا لما كنا أقوى، لولا من ظلمنا لما ثرنا وتمرّدنا وتحرّرنا، لولا من قادونا، نصحونا، وجّهونا، ومن لقنونا دروسا لما سقطنا، وسقطنا ثم وقفنا، لولا كل من تعرفنا عليهم… من بقوا في حياتنا، ومن رحلوا لما صُقِلت شخصيتنا على النحو الذي هي عليه اليوم…

لولا أخطاؤنا التي ارتكبناها، ولحظات الحكمة النادرة التي غَشَتْنا، لما عشنا حياتنا اليوم بتناقضاتها، نحن أبناء الألم، ولا نولدُ إلا من رحمه…

فقولوا لظروفكم، لأوقاتكم، لتاريخكم العتيد، لانهزاماتكم، وانتصاراتكم للحظات الحب والكره، الرغبة والتوق، الكآبة والجنون، القلق، الاضطراب، الخوف من المستقبل، وتذكّر الماضي… شكرا لكم، لولاكم ما كنتُ أنا. فلو سألك الناس عن قصّتك، هل ستخبرهم عن كفاحك، وأحلامك، وألمك، والعوائق والصعوبات ؟ أم ستخبرهم من أنت فعلا، ومن تكون الآن، بعد كلِّ ما حصل !!

Enregistrer

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

العاهرات يعدن هذا الأسبوع

بُترت ساق الطّريق، وانفض من حول الحمام الرّيح، تعكّر مزاج السّماء لكنها رفضت أن تنوح، …

يوم تافه... وأشياء أخرى!

يوم تافه… وأشياء أخرى!

على نافذة الغرفة، لم تعد أمي تضع قشور البرتقال، لتجفّ. ما عادت أيضا تضع قشور …