السبت، 24 أغسطس 2019

كيف تتبوّل في العاصمة..؟

محمد بهناس

كيف تتبوّل في العاصمة..؟ هكذا تساءل صديقي ونحن نتمشى ليلاً في شوارع العاصمة(هو شارع واحد في الحقيقة، غير أنك لو قسمته لحصلت على قرية أكبر حتى من تلك القرى التي بالجنوب البعيد). ليس ثمة مراحيض عمومية ولا خصوصية، كلّ ما هنالك حوائط مكتوب عليها: «ممنوع رمي الأوساخ».

وللأمانة، لم أقرأ عليها: «ممنوع رمي البول». وهذا بلا شكّ يسمح للمارّة بالاستراحة من دون أن يرفعوا أصابعهم ويطلبوا ذلك من أحد، فقط يتقدم المحتقن بالبول من السور ويرفع رجله عاليا كالكلب ويتنفس الصّعداء.

أحدهم أكد لي أنه فعلها في وضح النّهار، بقلب العاصمة الجزائر، حين لم يكن ثمة لا حلّ ولا حيلة، في الوقت الذي كان يتباهى فيه بلباسه الكلاسيكي الإيطالي الذي يوحي بالوقار. نزع سرواله وراح ينشّ المارّة من حوله طوال العملية، غير أن القعدة استغرقت طويلا وهكذا لم يعد يبالي بالشّعب.

لماذا لا يتجرأ (هي لا تحتاج جرأة في الحقيقة) أحد الروائيين ويكتب لنا رواية كاملة عن البول في العاصمة..؟ أم أن هؤلاء وُلدوا من غير ثقوب كالصّابونة! لذلك هم لا يحسّون بالمضطرين من المرضى والذين لا يتحمّلون احتقان البول لأكثر من شارعين؟ ربما، وربما.. لا ندري !

ثمة حائط طويل، بالخروبة، يفصل بين محطة الحافلات ومحطة الطاكسيات، يغشيك، هذا الحائط، بروائح لا أدري كيف لا تخترق أنوف المسؤولين في قصورهم هناك؟

إن هذا الحائط يشهد آلاف البوالين المتذمرين من وضعية البلاد، ولو حلّل على نحو يعرفه الأطباء أفضل مني (أظن ذلك) لوجدوا آثار بول 48 ولاية وربما من دول الجوار، حتى خطر لي أن أكتب بالبنط العريض: «مَبولة عمومية مجانية». ولكن، أين تفعلها النسوة حين يحتقن بالبول؟ّ! أعرف، أن المرأة مقاومة لدرجة أنها لا تجرؤ على خلع سروالها الملتصق على جلدها والتبول في فضاء عام.

في الوضع الطّبيعي، وحين تفعلها بين أربعة جدران فإنك، حقًا، تبين على حقيقتك ولكن أمام نفسك فقط، بينما لو تفعلها في الفضاء العام سواء في الوضع الطبيعي أو غير الطبيعي فتلك هي أقصى حالات التجلي.

الرجل الذي يلبس قندورة أو قشابية، وحين تضرب في رأسه، يبرك كالناقة وسط المارّة وينصب قشابيته كالخيمة ويفعلها من داخل خيمته ويبقي فقط على رأسه شامخا كالقنطاس، بينما الرجل الذي يلبس سروال جينز فإن عليه أن يكشف عن حقيقته أمام العالم كله ولن يكون، بذلك، أسوأ حالا من المرأة التي تحتضن ألمها الذي يفوق ألم المخاض بالشارع وبالحيّ حتى تنفجر دفعة واحدة عند عتبة مرحاض بيتها.

على كل حال، فإن المدينة التي بلا مراحيض عمومية هي في حدّ ذاتها مرحاض كبير، يمكنك التبول على مؤسساتها الرسمية. فقط ابتعد عن بيوت الفقراء والجوامع والمدارس والأماكن المقدّسة، وافعلها حيث شئت.. (رددوا معي) حيث شئت.. حيث شئت.. في الجزائر الكبيرة.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

صورة من قلب الحراك تثير جدلاً واسعًا

عمر عبداوي أثارت الصورة التي التقطها من المصوّر الهاوي خير الدين، نقاشا واسعا، بين مؤيد …

حراك 22 فيفري يُقاوم

حراك 22 فيفري يُقاوم

د. لطيفة لونيسي صدمتان سيّاسيتان عرفتهما الجزائر، تولّدت عنهما ممارسات تحكمية للسّلطة بدلا من الممارسة …