الأحد، 16 يونيو 2019

عبد القادر رابحي.. الوطن أكذوبة رعناء

ناصر باكرية

عبد القادر رابحي

يُراهن عبد القادر رابحي في مجموعته الشّعرية «مقصات الأنهار»(دار الوطن اليوم، 2016) على مغامرة التّجريب والمغايرة وكسر كلّ آفاق التوقّع، سواءً على مستوى الشّكل أوالمضامين، باختياره النّثر العصي على التّجنيس، وتضمين نصوصه أعمقَ الإحالات وأكثرَها تعقيدًا حتى لا تكاد تنفتح مغاليقها للذّائقة الكسولة والقارىء العادي.

يبدو ذلك النّزوع إلى التّعمية والإلغاز من العتبات الأولى التي تكسر السّائد بشكل مربك، وغير اعتيادي، فعنوان المجموعة «مقصات الأنهار»، منفتح على دلالات زئبقية رجراجة، وإذا كانت الإحالة المعجمية تحيل بلا لبس في الشقّ الأوّل من العنوان إلى القصّ الذي هو القطع(الذي جاء في صيغة اسم الآلة جمعًا) والشقّ الثّاني إلى الأنهار التي هي أودية جارية أبدًا، فإن ضمّ هاتين العلامتين إلى بعضهما تركيبيا، يخرجهما من دلالتها المعجمية إلى شعرية الاستعارة والتّمثيل بشكل شبه سريالي.

ويرد القصّ في لسان العرب بمعنيين، هما القطع والحكي: «قصَّ الشّعر والصّوف والظفر يقصه قصاً.. قطعه». وفي موضع آخر: «القصُّ فعلُ القاصِّ إذا قصَّ القَصَص.. ويقال في رأسه قصّة يعني جملة من الكلام». هل في رأس الشّاعر عبد القادر رابحي(1959-) «نهر غير مقصوص» وحكايا عن الوطن عصيّة على «القصّ» ليربكنا بكلّ هذا الخرق المدهش والانزياح الدلالي الحادّ؟!

لا يأتي الخرق والتعمية في العنوان فقط بل يكاد يمتد على مدار أحد عشر نصًا موزعة على 112 صفحة، مضافًا إليها الإهداء الذي لم يسلم من التلاعب والتشفير، ليسبقه تصدير بأربعة أحرف(ب.أ.ي.أ)، على طريقة السّور القرآنية، لكنها مفصولة بنقطة بين الحرف والحرف، وتشكّل الحروف مجتمعة «بايا».

يحيل هذا الاسم – على الأرجح – إلى اسم علم تسمّى به النّساء، وهو شائع في الجزائر والمغرب العربي، كما تطلق في بعض المناطق على القابلات اللواتي يقطعن«سرّة» المواليد الجدد القادمين إلى هذا العالم/الوطن المربَك المربِك والمليء باللاعدل واللامنطق، وسواءً كانت هذه الـ«بايا» هي مولدة الشّاعر أو والدته أو حبيبته التي انولد من خلالها نصًا، فهي تأتي مربكة وفي حالة متقدّمة من الاهتمام سواءً كان تقديمها احتجاجًا على إيجاده في هذا الوطن الظّالم أهله أو كان امتنانا لها«فالتقديم بلاغة يحمل دائما معنى الاهتمام بالمقدم». ويأتي الإهداء بهذا الشّكل الذي لا شكّ له دلالته العميقة:

«ب.أ.ي.أ

إهداء

على مرأى من الوطن النّائم في وحل المسرات

أقول بصوت عال:

إليك أنت…

(عين راء..)».

غلاف المجموعة الشّعرية

لا يكتفي الإهداء بذلك الخرق في تسبيق تلك الأحرف الابتدائية على عنوانه ومضمونه بل يواصل الانزياح والتعمية والتّشفير بقفل الإهداء بقوسين منفتحين على أكثر من دلالة، فتصح قراءتهما: حرفين أبجديين هما حرفا(الراء والعين، هما الحرفان الأولان من اسم الشاعر:(عـ)ـبدالقادر (ر)ابحي). كما يمكن قراءتهما أيضا كعلامتين متّصلتين لتتشكل لنا جملة (عينُ راءٍ)، فالعين تصبح العينَ التي هي آلة النّظر والرائي اسم فاعل من الرؤية/الرؤيا التي تختصّ بهما العين والبصيرة، وهذا التّعقيد الذي يطرحه الإهداء الذي يبدو بسيطًا لا يتوقّف عند هذا الحدّ بل يمتدّ إلى المُهدى إليه أيضا: «إليك أنت(دون حركة إعرابية تحيل إلى المذكر أو المؤنث)»، الذي يذيل بذينك الحرفين الذين يحيلان إلى اسم الشّاعر. هل يهدي الشّاعر نصوصه إلى نفسه، أم الحرفان توقيعُ المُهدي للمُهدى إليه قبل الإهداء؟

يحضر الوطن – الذي ورد في الإهداء السّابق «نائما في وحل المسرات» – في نصوص رابحي كوجع مهيب: (حاضرٌ موجعٌ وماضٍ ملتبسٌ ومستقبلٌ غامضٌ) في شكل إشارات معقّدة تُلمِّح للأشياء وتحاول التعمية تحاشيا لتسمية الأشياء، كأن هذه النّصوص تحاول أن تقول «الأشياء العادية بطريقة غير عادية»، فالوطن يشكّل تيمة وملمحًا بارزًا في هذا النصوص ويأخذ أشكالا لا تخلو – في أكثر المواضع تفاؤلا – من نبرة حزن وتعاطف، فـ«لا وطن بدون قصيدة ولا قصيدة بدون همّ». وهذا الهمُّ الرابض بوجعه وقهره على الوطن كما على الشاعر هو ما يجعله يبدي تضامنه أو تشفيه في آخر مقطع من هذه المجموعة: «وأنت من يقول لك: كل عام وأنت بخير أيّها الوطن النافق في جيوب الفقراء؟».

لا يبدو الوطن واضح المعالم في هذه النّصوص، فهو معمى تتلبّسه حالات  تجعله عصياً على التّحديد، فما هو الوطن أصلا «ربما كان الوطن أكذوبة رعناء..»، «أما الوطن الدافيء فيغرز أوجاعه في صفحة الماء المنسكب». إنه ذاته الوطن المعبَّأُ والمجيَّشُ بطريقة مأساوية خلف الأختين المتشابهتين في التّخدير: أفيون الكرة وأفيون التدين المسطّح، هذا الوطن الذي لا يضمّ شعبًا ومواطنين حقيقيين بل«أشباه شعوب تناضل خلف الشاشات».

ليضيف هذا الرائي في نصوصه:«ورأيت كرة تلهو بالجميع على مرأى من الأخت الكبرى». هذه التّعبئة الكروية والتّخدير الديني لا يدعان صوتا للعقل وللواقفين على حافة الجرح الذين«مأواهم الصّبر حتى تنتهي الفرجة». «أما الواقفون على حافة الجرح، فإنهم ينتظرون مقصات الأنهار للعبور إلى ضوء يوم هادىء».

إنها خيبات متتالية وكلّ شيء صار قابلا للبيع، حتى القصيدة في هذا الوطن، فـ«على عكس ما يظن الشعراء كل شيء يشترى ويباع حتى القصائد». وهذا الوطن الزئبقي هو ما يجعل عبد القادر رابحي يصرخ: «لست على دراية بالسرّ.. كلّ ما أعرف مجرد أدلة لا يرقى إليها الشك».

لعل نص «سائل سريع الالتهاب» يلخّص كلّ هواجس التّاريخ والوطن والنخب وخياناتها وقضايا أخرى معقّدة تأتي الإشارات إليها بشكل عميق ومكثّف، يبدأ بحكمة الأب البسيط وتتشابك فيها الرؤى: «”إذا انطفأت النار سيشتعل السائل” قالها أبي البسيط غداة اقتسام الريع بين الإخوة الأعداء». وهي عبارات مكثّفة تحيل إلى ما تخلّفه الثّورات بعد خمودها من تكالب وتناحر على المكاسب ليواصل الرائي وهو يصوّر قائمة الانتهازيين والوصوليين والانتفاعيين في كّل عصر:«ورأيت أعناقا تشرئب بانتظار القنص وزعماء شحاذين واسكافيين بإشارات النبوة…».

هؤلاء  اللصوص الطفيليون لم تعد تجدي معهم أوجه النضال حتى لو كانت للنّخب النضالية – التي تجاوزها الزمن – سبعةُ أرواح «هل لديك سبعة أرواح أيها المناضل المشتّت في وعي الطّبقات لتواصل تعبئة الجماهير في غفلة من الوطن المنهوب».

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

محمد عبيدو يكتب: كراسي الانتظار والمنافي

كلّ مساء في مدن أعمدتها من ريح وبيوتها من تعب نداري قسوة دهشتنا بين أمواج …

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

إذا كنت جزائريا فأنت كاتب هذه الرواية

كمال داود هناك رواية جزائرية كتبها كلّ جزائريّ. يكفي أن تجلس، تتأمّل، مثنى أو ثلاث، …