الخميس، 17 أكتوبر 2019

يوم استجاب كاسترو لنداء الجزائر في حرب الرّمال

في سنة 1998، كتب الرئيس الراحل أحمد بن بلة مقالاً، نشر في صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» الفرنسية، تناول بعضًا من أوجه تضامن كوبا، بقيادة كاسترو، أثناء تعرّض الجزائر لاعتداء مغربي، فيما عُرف بقضية تندوف في أكتوبر 1963، من بين ما جاء في المقال:

«… لقد تعرّض جيشنا الفتي، الذي بالكاد خرج من حرب تحرير شرسة، وهو الجيش الذي لم يكن يملك بعد، لا تغطية جوية – بحيث أننا لم نكن نمتلك طائرة واحدة آنذاك- ولا قوّات ميكانيكية، إلى هجوم من طرف قوّات الجيش المغربي في الميدان الذي لم يكن مناسبًا لنا، لم يكن بمقدور قوّاتنا استعمال الوسائل التي كان يجيد التعامل معها، والتي أثبتت فعالياتها أثناء الكفاح المسلح، وأعني هنا حرب العصابات. كانت الصحراء الجزائرية ذات المساحات الأرضية الشاسعة، بعيدة جدًا عن جبال الأوراس، جرجرة، القل وتلمسان، وهي المناطق التي تعتبر الوسط الطبيعي لجيش التحرير، حيث يعرف جميع تضاريسها وأسرارها.

لقد قرّر خصومنا، تكسير وهج الثورة الجزائرية، قبل أن تصبح قويّة، وتكتسح جميع من يقف في طريقها. في تلك الأثناء أوفد  فيدال كاسترو، كتيبة عسكرية كاملة: تتألف من 22 مدرعة، ومئات الجنود… وهكذا  تنقلتُ الى منطقة «بيدو» جنوب مدينة سيدي بلعباس، أين قمت بزيارتهم هناك، وهي الكتيبة التي كانت في أتم استعداداتها، لو استمرت حرب الرمال تلك.

كانت الدبابات هذه تحتوي على أسلحة فوق حمراء تسمح بالتدخل ليلا، وهي دبابات سلمها السوفيات للكوبيين، تحت شرط صارم، يمنع منعا باتا تسليمها لبلد آخر… رغم هذا التقييد الصارم من موسكو، لم يتردّد الكوبيون في إرسال هذه الأسلحة المتطوّرة لإنقاذ الثورة الجزائرية، التي كانت في خطر.

من المؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية، كانت من وراء أحداث تندوف، كنا نعرف أن طائرات الهيلكوبتر، كانت تنقل على متنها جنودًا مغاربة، كان يقودها طيارون أمريكيون، وهي الأسباب نفسها التي دفعت القادة الكوبيون في إطار ما يعرف بالتضامن الدولي، إلى التدخل خارج المحيط الاطلنطي في انغولا، ومناطق أخرى.

من المفيد أن اشرح الظروف التي سبقت وصول تلك الكتيبة من المدرّعات، لأنها تبيّن بشكل واضح، أكثر من أي تعليق، طبيعة العلاقات المتميزة، التي كانت تجمعنا مع كوبا. ففي أكتوبر 1962، غداة زيارتي لكوبا، حرص فيدال كاسترو على الوفاء بوعد قطعه بلده، بتقديم مساعدة مالية قدرها 02 مليار فرنك قديم ( حوالي 20 مليون فرنك فرنسي)، ولكن اعتبارًا للوضع الاقتصادي الصعب، الذي كانت تجتازه كوبا، قرّروا أن يرسلوا مادة السُّكر، بدلا من العملة الصعبة، رغم رفضي وامتناعي، ذلك لأنني كنت أعتبر أن كوبا، في أمسّ الحاجة لسُكّرها، أكثر منا نحن، لكن كاسترو رفض الاستماع إليّ.

حوالي سنة بعد ذلك اللقاء، رست باخرة كوبية في ميناء وهران، ولكن المفاجأة الكبرى أننا وجدنا علاوة على كميات معتبرة من السكر، عشرات الدبابات، ومئات الجنود الكوبيين، أوفدوهم لنجدتنا.

وفي ورقة انتزعت من دفتر مدرسي، خطّ لي راوول ( شقيق فيدال) برقية مختصرة يعلن فيها تضامنه الكامل معنا.

طبعًا، لا يمكننا أن نترك الباخرة فارغة، فقد قرّرنا ملأها بمنتوجات جزائرية، وأخذًا بنصيحة من السفير جورج سيرغيرا ( سفير كوبا في الجزائر آنذاك)، أضفنا عددا من الخيول الأصيلة.

وهكذا شرعنا كبلدين تجمعهما أواصر صداقة حميمة، في إرساء عملية مقايضة غير مبنية على أسس تجارية، ترتكز أساسا على مبادئ التضامن، والتي كانت بفضل هذه الظروف والصعوبات، عنصرا أصيلا في علاقاتنا… »

رسالة بن بلة الى كاسترو بخط يده

Enregistrer

Enregistrer

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة الجزائرية

التّقاعد القسري.. آخر مسمار في نعش الجامعة

نسيمة قبلي أخرج الحراك الشّعبي، إلى العلن، الكثير من المفاجآت. لكنه بالمقابل عرى سوأة نظام …

الصّدفة والغباء في تغيير مجرى التّاريخ

الصّدفة والغباء في تغيير مجرى التّاريخ

قضى الإنسان قرونا في محاولة ترويض الطّبيعة. لم يتحلّ دائما بأخلاق الفوارس في مواجهتها، كما …