الأحد، 26 فبراير 2017

الكُسكسي أو «الطـْعام»: ما لا تعرفه عن أُكلة الجزائريين المفضّلة.

د.خيرة منصوري

هكذا  كنّا؛ في كلّ يوم  جمعة : تُحضّر قصعة واسعة، تُملأ بالطْعام أو الكسكس، يُدهن الطْعام بالسّمن قبل تقديمه، ويسقى بمرق خاصّ به، يُتوّجُه اللّحم وأنواع الخضر، تُزيّن قصعة الطعام، بحبّات حلوى صغيرة تسمى: «حلوى الطْعام»، ثمّ تؤخذ إلى جامع الحوْمة؛ فيحفّها الكبار والصّغار، فرحين مستبشرين بلمّة الطْعام.

الطْعام  أو الكسكس، يحَضَّر من دقِيق القمحِ والماء؛ فيصير بفعل حركة يد ماهرة، مفتولا في شكل حَبَّاتٍ دقيقة. وهناك أكثر من نوع ؛ فمنه تبعا لعملية الفتل؛ الطْعام الرّقيقة حبّاته، والأغلظ منه، وأكبرها شكلا، يخرج عن نطاقه، فيسمّى تسمية أخرى، يطلق عليه «البركوكس».

couscous4

لا يذكر الطْعام  أو الكسكس، إلاّ مرفوقا بأوان، و لوازم تحضير خاصّة؛ فالقدر و«الكسكاس» متلازمان، مشتركان في الوظيفة؛ فالقدر وهو الأداة الرئيسة في إعداد الطْعام، والكسكاس، أفضله ما أبدع في صنعه من خيوط الحلفاء أو الدوم، التي تضفي على الطْعام رائحة عشبية طيّبة.

ينضج الطْعام  فِي الكَسْكَاسِ، بفضل ثقوب في أسفله، تسمح بتسرّب البخار إليه من داخل القدر، فتنتفخ حبيباته المفتولة بإحكام.

للكسكاس شكل مخروطي، قطر أسفله أضيق من قطر فوهة القدر، بحيث يدخل أسفله في أعلى القدر. وعنه ورد في لسان العرب الكسكاس : الرّجل القصير (4/296)، ولا ندري مسار هذه الكلمة، كيف استعيرت أو انزاحت من دلالة لأخرى بفعل الاستعمال، و أيّها الأصل في الوجود.

couscous6
«كسكاس» تقليدي

 

لفتل الطعام، لا بدّ من حضور بعض الأواني كالقصعة، وهي من مقتنيات البيت الرئيسة، التي لا غنى عنها إطلاقا. وتصنع من جذوع شجر الزيتون أو من أنواع أخرى من الخشب الصلب. و يكفي  دار فلان فخرًا، أنّه قدّم الطْعام في قصعة من خشب، ليفوز بلقب «خيمة كبيرة»؛ فلا يخلو بيت من قصعة !

عند الاستعداد  لفتل الطّعام، تجتمع الجارات في «تويزة»،  تتولّى  كلّ واحدة منهنّ مهمّتها، فترى قصاعًا تتفاوت أحجامها، وغرابيل مختلفة عيونها، فذو العيون الكبيرة لا يصلح لما يؤدّيه أبو العيون الصّغيرة، ومنها ما أحيط بجلد، وأخرى أحيطت بدائرة من خشب رقيق، ولصانعها أن يختار بين المعدن والحلفاء، محكمة الصّنع، لا تسمح بانفلات حبيبات الدّقيق المفتولة بعناية فائقة.

وللقصعة دلالات معنوية كثيرة في المأثور الشعبي، فالقصعة الكبيرة، يقدّم  فيها البركوكس عند اللمّة، في «السْبوع»، فتجتمع من حولها النّساء متفكّهات، مستمتعات بمذاق هذه الأكلة الطيّبة، ممزوجة بتوابل متنوّعة، تعبّق رائحتها جوّ اللمّة؛ تجمعها عبارة «راس الحانوت»، فلا «بركوكس» بدون «راس الحانوت»!

ويمكن تقديم الطعام في «زلافة» من طين، أو «مَثرد» من فخار، مرفوقًا بملاعق، هي الأخرى تصنع  من خشب، فلا تسمع لها صوتا عند اصطدامها بالأسنان.

وهكذا كان للطْعام حضور في كلّ الولائم؛ فهو همّة ولمّة، وزينة القعدة في الحومة.

ولا شكّ، أنّ في اللمّة، لملمة الشّمل؛ فتصفو القلوب، وتسلو النفوس، وتجلو الأحزان.

لا خوف من مجيء الضيف، ولا ارتباك في اختيار الوجبات وتكاليفها؛ طعام مفتول مدّخر و زبدة، وتحضّر على جناح السّرعة، «سفّة» مزيّنة بحبّات حلوى الطعام الملوّنة أو بزبيب، يرافقها على المائدة إناء صغير فيه عسل أو سكّر وإناء به «رايب» أو لبن أو شاي، و يبقى الاختيار للضّيف.

couscous2
«السفّة»، من أنواع من الطْعام

وقد تقدّم «السفّة» مصحوبة بحبيبات الرّمان، فتزيد منظر «الزلافة» جمالا.

وقديما قالوا: «الطّعام همّة، لو كان هو بالما».

Enregistrer

Enregistrer

Enregistrer

Enregistrer

Enregistrer

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

محمد بن ديدة : مواهب متعدّدة وتهميش

بلخير خيري   «النّجاح نتيجة العمل، والمكافأة نتيجة الحظ، والحظ رهينة الشّيطان»: ابراهيم الكوني. من …

عبد الوهاب بن منصور

عبد الوهاب بن منصور: أنا كاتب الخيبات

  عبد الوهاب بن منصور(1964) ينقل القارئ، في روايته الأخيرة «الحيّ السّفلي»(مجد، مدارج، الوسام، 2016) …