الأربعاء، 17 يوليو 2019

آلان تورينغ وسرّ التفاحة المسمومة!

رشيد فيلالي

بتاريخ 7 جوان 1954، دخلت المنظفة إلى غرفة النّوم بمنزل في لندن..

فوجدت سيدها جثّة هامدة، وجه أصفر شاحب وشفاه زرقاء..

كان قد تناول تفاحة مغموسة في مادّة الزرنيخ المسموم..

اسم المنتحر هو آلان تورينغ عالم الرياضيات البريطاني الذي يعتبر مُخترع جهاز الكوبيوتر المعاصر..

كان عمره آنذاك 42 عاما.. بعد مرور 16 سنة على هذه الحادثة.. أسّس ثلاثة باحثين شركة أطلقوا عليها اسم «التفاحة، Apple». و كان لهذه الشركة الفضل في صناعة أول جهاز كومبيوتر في العالم، وهم ستيف جوبس، رون واين وستيف وزنياك..

وقد رسم شعار الشّركة روب جانوف وكان على شكل تفاحة مقضومة.. لكن ما علاقة هؤلاء بعالم الرياضيات المنتحر؟..

الحقيقة أن هناك صلة خفيّة ربما فضل مؤسسو شركة «آبل» عدم الإفصاح عن سرّها.. إذ أرادوا في أغلب الظنّ بشعار شركتهم تكريم آلان تورينغ الذي له الفضل في تأسيس شركتهم بطريقة غير مباشرة.. حتى ولو أن الباحثين الثلاثة المذكورين سبق وأن صرّحوا بأن شعار شركتهم يعود إلى سبب تناولهم للتّفاح بكثرة أثناء إجراء بحوثهم.. وهذا لأنهم كانوا فقراء ولم يكن لهم دخل يسمح بتناول أطعمة مكلّفة..

لكن لماذا انتحر مخترع الكومبيوتر آلان تورينغ..؟

هذا هو السّؤال المفصلي الذي سيكشف لنا عن مأساة حقيقية وتفاصيل غاية في الإثارة.. تتعلّق بحياة هذا العالم الكبير.. لقد كان آلان تورينغ يدرّس الرياضيات في كبريدج قبل أن تندلع أحداث الحرب العالمية الثانية عام 1939 وعندها دخل البحرية البريطانية وكلّف بفكّ شيفرات البحرية الألمانية ولأنه عقل عبقري فقد توصّل إلى تفكيك شيفرة البحرية الألمانية الشهيرة التي يطلق عليها اسم «إينغما، Enigma»، وظلّ ذلك سرًا.. كي لا تعلم سلطات الرايخ النازية بالأمر.. وهذا ما جعل بريطانيا تنتصر في الحرب طبعا بفضل عبقرية آلان تورينغ.. الذي عاد للتّدريس عقب انتهاء الحرب  العالمية الثانية عام 1945 لكن بعد أربع سنوات.. تعرّض منزله لعملية سطو.. فذهب لمركز الأمن قصد وضع شكوى لدى الشرطة.. ولأنه كان شاذا جنسيا وعلى علاقة بشخص يدعى أرنولد موراي.. فقد صرّح هناك بأنه يعرف السارق.. وذكر اسم أرنولد.. وهنا صرح بعفوية أنه كان على علاقة عاطفية به..

والمثير أن الشّرطة تخلّت عن متابعة السّارق.. وقدّمت العالم آلان للمحكمة التي أصدرت في حقه قرارًا بخصيه كيميائيا أو السّجن.. فلم يجد بدًا من اختيار الحلّ الأول.. ولأنه لم يتحمّل هذا العلاج فضل وضع حدّ لحياته بأكل تفاحة مسمومة.. كان قد شاهد تفاصيل ذلك في حلقة من حلقات فيلم الأقزام السبعة .. وهكذا قتلت بريطانيا الرّجل الذي أنقذها من الدّمار الشّامل على يد الجيش النازي..

ومهما كان الحكم الأخلاقي الذي قد نصدره على العالم آلان تورينغ.. فإن البريطانيين كان بيدهم البحث عن حلول أخرى أكثر إنسانية لمواجهة مشكلة شذوذه.. ومن ثمّة لم ترتكب في حقّ عالم كبير من قامة آلان تورينغ تلك الإهانة القاتلة، غير أن بريطانيا تداركت خطأها الفادح، وكرّمت الراحل بأن وضعت صورته على نقودها ونحتت له التّماثيل والنّصب وأطلقت اسمه على الكثير من المؤسسات والشوارع وغيرها من التكريمات.. فتأمل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …