الخميس، 17 أكتوبر 2019

رواية كاماراد.. من فرايداي إلى مامادو، ما الذي تغيّر؟

 

لونيس بن علي

حظيت رواية كاماراد للحاج أحمد الصّديق باهتمام ملحوظ، إعلاميا وقرائيا.

هي من الرّوايات القليلة التي أجمع حولها القراء بأنها رواية متميّزة، بموضوعها الذي خرج عن الموضوعات المألوفة في الرواية الجزائرية.

هي الرواية الأولى التي فتحت السّرد الجزائري على أجواء إفريقيا العميقة، فكتبت عن تجربة الهجرة السّرية للأفارقة في اتجاه الشّمال، بحثًا عن «الإلدورادو» الأوروبي.

الذي يقرأ رواية كاماراد ثم يقرأ حوارات الروائي عنها، سيصطدم بمفارقة عجيبة، فالرواية التي تبدو للروائي وللكثير من القرّاء بأنّها دافعت عن صورة الإفريقي، ليست كذلك، بل أنّ القراءة المتمعنة في مضمراتها سيقف أمام حقيقة صادمة، وهي أنّ الرواية أحيت البنية التقليدية للعلاقة الكولونيالية بين الأوروبي السيّد والإفريقي العبد.

فالرواية، من هذه الزاوية، لم تمتلك الجرأة الكافية لرجّ هذه البنيّة وإزاحتها، بل أمعنت في رسم صورة سلبية عن الإفريقي؛ لم يكن مامادو في رواية «كاماراد»(صدرت عن فضاءات وميم، 2016) إلاّ استعادة مبجّلة لشخصية فرايداي– العبد الأسود – في رواية روبنسون كروزوي للروائي الانكليزي دانييل دافو.

نفهم أنّ رواية كاماراد للحاج أحمد الصّديق، على الرغم مما توحي إليه نوايا الروائي، تخفي في طياتها رؤية اقصائية للإفريقي، بل امتلكت قدرًا كبيرًا من الحسّ السّاخر، حيث وصفت الإفريقي بالعبد الأبدي للرّجل الأبيض، بل يكفي أن نقف وقفة متفحّصة في خطابات شخصياتها الإفريقية لندرك حجم الهوّة بين ما يقوله الروائي وما تضمره الرواية، وما يفضح تلك الهوة هي الصورة المبجلة للأوروبي «جاك بلوز»، الذي بقدومه حمل معه أنوار الشمس – استعارة تقليدية لأنوار أوروبا والتي يقابلها ظلام إفريقيا، وهنا نستعيد مقولة هيغل، إذ وصف إفريقيا بتلك الأرض التي ترقد فيما وراء نهار التّاريخ الواعي لذاته، يلفّها حجاب الليل الأسود – لينير بها حياة الإفريقي القابع في ظلام إفريقيا.

في لغة الإفريقي، وهذا معطى في غاية الأهمية والخطورة، وهو يتوجه بالكلام إلى جاك بلوز لا تخلو من متلازمة «نعم رئيسي/نعم سيدي»، المصحوبة برقصة استعراضية–ايكزوتيكية – تنمّ عن احتفالية بهذا الأوروبي الأبيض.

إفريقيا في رواية كاماراد لا تملك لغتها الخاصّة، فهي لغة صامتة، عاجزة عن تمثيل نفسها في معزل عن حضور الأوروبي.

كلّ حكايات مامادو تفجّرت بحضور الأوروبي الذي جاء لأجل أن يثأر لنفسه، بحثًا عن مجد سينمائي في أكبر تظاهرة سينمائية أمبريالية (مهرجان «كان» السينمائي).

الغريب في الأمر أن الرواية قدّمت لنا شخصية أوروبية محايدة عاطفيًا، فلم تبد أي موقف إزاء مآسي هذا الإفريقي البائس، وكأنها غير مكترثة تماماً بها.

ومن السخرية أنّ مامادو، ذلك الشّاب النيجيري الذي فشل في بلوغ شواطئ أوروبا قد باع قصته لهذا المخرج الفرنسي، هذا الأخير أكرمه بعد نهاية قصته بكاميرا تصوير، ليعلّمه أبجديات لغة الصّورة حتى يروي بنفسه قصّته. لقد ظهر جاك بلوز كعامل أساسي– القديس المنتظر – لخروج الإفريقي من حالة الصّمت، ومن حالة الغياب، وفضلا عن ذلك، فالإفريقي الذي يرى إفريقيا بأنها مزبلة العالم، هو نفسه الذي يتوق إلى عالم الرّفاه في أوروبا.

بقيت مسألة أخرى: لماذا يتعامى القارئ – أقصد الذين قرأوا هذه الرواية – عن هذه الأبعاد في الرّواية، ويكتفي بالإشادة بها، كما لو أنّها حققت فتحا عظيما؟!

في اعتقادي، أنّ أكبر ما يسئ للروائي هو هذا النّوع من القراءات العمياء التي لا ترى إلا ما يريد الروائي أن يراه، في حين أنّ أيّ عمل في حاجة إلى أن ينظر إلى نفسه في مرآة مختلفة، أكثر صدقًا من المرايا المقعّرة أو المحدبة التي لا تنقل الصورة على حقيقتها.

غلاف رواية كاماراد

رواية كاماراد الحاج أحمد الصديق رواية مفيدة، لأنها تزخر بكم هائل من المعلومات التي قد تفيد القارئ في تشكيل صورة ما عن حياة الإفريقي وعن تلك التّفاصيل الدقيقة التي التقطتها عدسة الروائي، ومع ذلك ما ينقص الرواية هو الإمتاع! فقد راهنت أكثر على الموضوع، وعلى ضخّ أكبر قدر ممكن من المعلومات حول حياة الأفارقة المهاجرين ويومياتهم، لكن حدث هذا دون مراعاة جانب الإمتاع السّردي؛ فخطية السّرد، والإيغال المفرط في المعلومات، وغياب عامل التّشويق، حيث يسهل على القارئ معرفة ما سيأتي من الأحداث، ثم أنّ حوارات الشّخصيات كانت في الغالب اصطناعية ومقحمة كثر فيها الزّحام اللفظي الذي يمكن لو تجنبه الرّوائي أن يخفّف الوطأة على روايته على نحو يجعلها أخفّ وأكثر رشاقة. كلّ هذا أفقد الرواية ما هو أساسي في أي سرد وهو «المتعة السّردية».

لا ننكر في الأخير، أنّ الحاج أحمد الصديق هو أحد الأصوات الرّوائية المهمّة في المشهد الروائي الجزائري، ففي روايته الأولى «مملكة الزّيوان»(2013) استطاع أن يشدّ انتباه القراء إلى متن سردي مختلف، احتفى على نحو مثير بالفضاء الصّحراوي، وبموروثه الثقافي والرمزي.

وفي روايته الثانية كاماراد أكّد على إرادة التّجديد، ولو أنّ الرواية، ومن حيث لم تشعر، قد وقعت في مأزق، سأسميه بمأزق التّمثيل السّردي للإفريقي. فكانت عاجزة عن إرباك النّظام التمثيلي الكولونيالي، لاسيما في تصوّره لعلاقة الأوروبي بالإفريقي. وهذه الرواية، ومن جهة اخرى، فشلت في منح الصوت لإفريقيا، فإفريقيا لم تتكلّم في هذه الرواية، بل كان كلامها مجرد حشرجة ضعيفة، وصوتا مبحوحا لإرضاء شغف الأوروبي القادم من «مهرجان كان» بحثا عن مجد ضائع.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال بشيري

«خفافيش بيكاسو».. نزعة روائيّة نوعية

تخرج آمال بشيري في روايتها “خفافيش بيكاسو”(دار ميريت، القاهرة 2018) عن كلّ المواضيع المألوفة من …

اللقاء : قصّة جديدة لياسمينة خضرا

الملحق الأسبوعي لصحيفة “لوبريزيان” الفرنسية، استضاف مجموعة من الكتّاب الفرانكفونيين، لكتابة قصص يدور موضوعها حول …