الخميس، 24 أكتوبر 2019

عبد القادر رابحي: بناءٌ ريفيّ في بادية نيويورك..

 

عبد القادر رابحي

لا زلتُ إلى اليوم

لا أفهم لماذا ينتابني الدوار

في كلّ مرّة أرى فيها عينيك

معلقتين على حائط الوقت الجارح؟

و لماذا تهتزّ بي الأرض

هزّةَ المغشيّ عليهم

فأغيب عن وعيي..

وعندما أفيق

أتذكر أنّني شاهدت أفلاما طويلة

في قاعات فسيحة

بها شاشاتٌ سوداء

و منصّاتٌ عالية

و أقنعةٌ بلا جمهور..

 

***

 

لم أشربْ مرّةً في حياتي..

لكنّني دخّنت كثيرا

حتى اكتوتْ رئتايَ

ورأيتُ باطني الحامض

مسكوبًا أمام عينيّ

على لوحة التّوق الجارف

إلى عالم أفضل..

هكذا وُلدت ثمِلا

من دون أن أشرب..

سقطتُ مراتٍ عديدة

مغشيًّا عليّ

في حفرة الحياة..

وفي كلّ مرّةٍ

يعيدني ضجيجُ الواقفين على رأسي

إلى واقعي المسلوب..

وكلّما استيقظت

وجدتُ مفاتيح في يدي اليمنى

و بعضَ ترابٍ ودمٍ

على كدَمات صُدغي الأيسر..

 

***

 

أعودُ إلى البيت

مترنّحا كعادة الأرض

مزهوًّا بقصب السكر المعصور في براميل الأوهام،

وبأكياس الطّماطم المكدّسة في حظائر السيّارت،

وبعُلَبِ مربّى التين العالقة بجماجم الحالمين..

أجرّبُ مفتاحًا

ينفتحُ الباب..

أدخلُ إلى منفايَ الممتدّ على مرمى البصر،

وأنطرحُ كالحديدة الباردة

على فراش الوحشة..

 

***

 

لا بصرَ لي

غير ما رأيت أثناء السّقوط ..

أفلامَ كوبوي لم تُصوّر بعد..

قطعانَ أبقار هائمةً في البراري

و سيّداً أرعن يحاول اصطياد حصان شارد

بحبل دائريّ..

لم أعرف رعاة البقر من قبل..

لكنّني تعلّمت،

من سقوطي المتكرر،

أن أفتح النوافذ المظلمة،

ومظلاّت الجنود الخائفين،

وصناديق المئونة المنتهية الصلاحية..

 

***

 

في كلّ سقطةٍ

تركع نيويورك عند قدميّ

أفتحُها بأيّ المفاتيح شئت..

مرّةً..

لم أكن في حالي..

أو حالي لم تكن فيّ..

لا أتذكّر جيّدا،

سقطتُ سقطةً عمياء

فارتجتْ ناطحاتُ السّحاب

وانهمر السّيل

وعادَ الكون إلى حالته الأولى..

رمادٌ في رماد..

كما لحظة البينغ بانغ

في كأس الوجود الأجوف..

حيث تحلم اليرقات

بترتيبِ دروسِها المنسيّة

في دفاتر المتسلقين إلى خدر الدّمية اللّعوب..

لن تتدخّل مكبراتُ الصوت

لتصغير محيط الفجوة..

لن تتدخل سيارات الإسعاف

لترقيع شأن البكارات..

لن يتدخّل معلّم الابتدائي

لتصليح لوثة التلاميذ الفقراء..

 

***

 

كلُّ السّقطات

كنتُ أنا سببها..

– سقطةُ النّجمة الهاربة:

كنتُ كعْبًا عاليا..

– سقطةُ النيزك الأعمى

كنتُ رادارا متحرّكا

– سقطةُ الحفرة المحدودَبة:

كنت ماءً منسربا..

سقطة الفارس الطماع:

كنت بَصْقةً لامعة..

– سقطةُ العارف المنتفخ:

كنت مُكمِّلا غذائيا

– سقطةُ الوردة المقطوفة:

كنت مزهريةً مُهشّمة..

– سقطةُ الزعيم المتبتل:

كنتُ مرَضًا مُزمنا..

 

***

 

مغشيّا عليّ،

والمفاتيحُ في يُمناي

لا زلتُ كلّما استيقظت

أتعقّب الرّاسبين

في درس الخياطة الثقيل،

وألزِمُهم بتقطيع العالم

على مقاس أسِرّة الجنود الهاربين من المعركة..

 

***

 

كنتُ كالقطّ الأسود

ذي السبعة أرواح..

في كلّ سقطةٍ

أوزّعُ الحيوات بالمجان

على قصيري القامة

وطويلي اللسان

ومعتوهي التحوّل الجينيّ

وموظفي البريد المتبقّي..

 

***

 

– سقطتُ من محفظتي المدرسية

ولم أمتْ..

– سقطتُ من جنّة الشهداء

ولم أمتْ..

– سقطتُ من قوائم السكن

و لم أمتْ..

– سقطتُ من حسابات البنوك

ولم أمتْ..

– سقطتُ مع البُرجين

ولم أمتْ..

وها أنا أتسلّق هزائم الرماد

تماماً كما سبيدرمان

يتسلّق حلم الأطفال المائتين من البرد

في قرية نموذجية..

وثقتُ كلّ السّقطات

في فيديو البلاغات الطريّة..

لكلّ سقطةٍ مفتاحُها الصدئ

ويداها المرتجفتان

وقلبُها الخافق..

 

***

 

ورِثتُ السّقوط الدّائخ

من سكرتي الأولى..

هكذا ولدتُ

ثمِلاً في صحارى القناعات،

وتحت جسور القرى الكبيرة،

وفوق رضوض الطريق السيّار..

لم أشرب مرةً  في حياتي

لكنني دخّنت كثيرا

حتى اكتوتْ رئتاي

ومالَ وجهي إلى الشّحوب..

توقفتُ عن التدخين

ولم أتوقف عن السقوط..

ولا زلت كُلّما استيقظت

أجدُ مفاتيح في يدي اليمنى

وبعضَ ترابٍ ودم

على كَدمات صُدغي الأيسر..

سعيدة (الجزائر) في: 21/11/2016

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

نجيب بوزناد

الباب لحمر / قصة لجلال حيدر

غير بعيد من هناك كانت قدماي ـ والأرض تميل تحتهما ـ تسرعان على نحو مرضي. …

آمال بشيري

«خفافيش بيكاسو».. نزعة روائيّة نوعية

تخرج آمال بشيري في روايتها “خفافيش بيكاسو”(دار ميريت، القاهرة 2018) عن كلّ المواضيع المألوفة من …