السبت، 23 سبتمبر 2017

عبد الوهاب بن منصور: أنا كاتب الخيبات

 

عبد الوهاب بن منصور
عبد الوهاب بن منصور

عبد الوهاب بن منصور(1964) ينقل القارئ، في روايته الأخيرة «الحيّ السّفلي»(مجد، مدارج، الوسام، 2016) إلى فضاءات سردية ممتعة، عبر شخصية تروي حياة مفخّخة في حيّ صفيح. رواية للغضب الدّفين الذي يقول كلّ شيء عن الظّلم. لقد اختار بن منصور الزّاوية التي ينعدم فيها الوضوح، ليذكّر القارئ أن الحياة تفقد قيمتها حين نفقد أسبابها. ولكن، كيف نفقد أسباب الحياة؟

رواية «الحيّ السّفلي» لعبد الوهاب بن منصور جاءت بعد مسيرة كلّلها بعدة أعمال، أهمها «قضاة الشّرف»(اتّحاد الكتّاب الجزائريين،2001) و«فصوص التّيه» (البرزخ، 2006). وكلا الروايتين مترجمتين إلى الفرنسية.

تحاور قرّاء مع بن منصور، وكانت هذه الدّردشة الحميمة:

كافكا يقول أن «الكتابة انفتاح جرح ما!». ماذا تعني الكتابة لبن منصور؟ ولماذا يكتب؟

الكتابة اختيار. اختيار لحظة الكتابة وموضع الكتابة وثيماتها. بالنسبة لي، أنا أسيّر الكتابة من حيث ما أقرأ وما أعيش .أعترف أني اكتب عن تجربة فقط لان الكتابة بالنسبة هي علاج نفسي. الكتابة للاحتجاج ولقول «لا» ولكشف المختفي والمستبدّ والأهم أنها كتابة لمقاومة الموت.. الكتابة هي إعلان عن وجود.

تتساءل الصّحافية علياء بخاري: بدايتك كانت مع القصّة  القصيرة، ثم انتقلت إلى الرّواية.. أيهّما أقرب و أحبّ إلى عبد الوهاب بن منصور، القصّة أم الرواية؟

هذا سؤال كلما طرح علي أتذكّر مقولة ماركيز أن القصّة ليست عجلة إسعاف. لذلك أقول أني بدأت بكتابة القصة ونشرت بعضا منها في باكورتي «في ضيافة إبليس»(1994). ثم انتقلت للرواية بالصّدفة، حيث بدأت كتابة قصّة في بيت صديقي المرحوم بختي بن عودة. لكن بعد إطلاعه صباحا على ما كتبته ليلا قال لي أن ما كتبته لو أطلقت العنان لقمي ربما ستكون رواية، وبالفعل كتبت رواية كان يتتبع مسارها لكن الموت أو الاغتيال المفاجئ له غيبه عن حضور نهايتها، لذلك أهديتها له.. كتابة القصة لازالت تستهويني ولي مجموعة أفكر بنشرها قريبا، تحت عنوان «استثناءات».

تضيف الصّحافية ذهبية مشدل: اغتيال بن عودة كان ضربة قاسية وموجعة لك، لدرجة أنك أهديت لروحه روايتك الأولى.. حدّثنا عنه وعن ارتباطه بنصّك؟

كما قلت في إجابتي السابقة أني بدأت بكتابة قصة في ليلة ماطرة، ببيت صديقي المرحوم بختي بحي، في سان شارل بوهران. وفي الصباح، أطلعته على ما كتبت، فوجدته ينصحني بكتابة رواية وهو ما فعلته. لكن للأسف الشّديد، فقد أغتيل قبل أن أنهيها وقد توقفّت لاكثر من سنة عن الكتابة بعد اغتياله. لقد كانت صدمة كبيرة لي.. ولذلك أهديتها لروحه متأسفا عن عدم إطلاعه عليها وهي كاملة.. ربي يرحمه ويغفر له!

غلاف رواية الحيّ السّفلي
غلاف رواية الحيّ السّفلي

لماذا لم تُقاطع الصّالون الدّولي للكتاب كما فعل بعض الكتّاب؟

مقاطعة الصالون أو حضوره يبقى من حقّ كلّ كاتب وله مبرراته. شخصيًا، أنا لا أهتم للصالون أو لمقاطعته، وهذه السّنة – كما في السّنوات السّابقة – حضرت كأي مواطن آخر، باحثا عن الكتب، أما حضوري للتّوقيع فكان بدعوة من النّاشر وليس من إدارة الصالون.. المقاطعة يجب أن تكون مبرّرة لأن الكاتب عليه أن يُقدّر القارئ ويحترمه.. شخصيا تنقلت من تلمسان إلى العاصمة ووقعت الرواية احتراما للقارئ، الذي قدم من مناطق بعيدة لشراء روايتي.. الكاتب لا يساوي شيا دون قراء.. الكتابة في أصلها لا معنى لها إلا في عين قارئها..

يضيف الكاتب والنّاشر ربيع خروف: «إن المتمعن في تجربة عبد الوهاب الأدبية سيقف على حقيقة أن كاتبنا زاوج بين ثيمتين كبيرتين في عمليه «قضاة الشّرف» و«فصوص التّيه»: السّلطة الدينية والسّلطة السياسية، في خلطة محلية بتوابل تلمسانية ندرومية صوفية خالصة، لينتقل في رواية «الحي السّفلي» إلى مستوى آخر ومواضيع وثيمات متنوعة: الفقر، القهر، الظّلم، المرض والانتحار..». لماذا اختار عبد الوهاب بن منصور هذه الفترة بالذات من تاريخ الجزائر؟ سؤالي الثاني، هنالك هوّة سحيقة بين الكاتب والإنسان، ملاحظة نلمسها عند أغلب كتّابنا. لكن مع بن منصور يحصل العكس: الإنسان فيه متناغم مع الكاتب. هل يعود هذا إلى تكوين شخصية عبد الوهاب وعمق التجربة الإنسانية عنده؟

يرد بن منصور: اختيار الثيمات والمواضيع تفرض على الكاتب. الكاتب الذي يتمعن في مجتمعه وفي خيباته وطموحاته. لذلك أرى أن ثيمات «الحيّ السّفلي» هذا وقتها ليس وقتا آخر، لأننا اليوم نعي الخيبات بدءً بالدولة الوطنية والقومية العربية وأسئلة الهوية رغم أننا نعيش في بلد مستقل منذ أكثر من نصف قرن.

انا واحد من أبناء الاستقلال.. بمعنى أني لم أعرف الاستعمار ولم أعشه.. هل ما نعيشه بعد الاستقلال هو ما حلمنا به غداة الاستقلال؟ هل حققنا ما وعدنا به الشّهداء؟ هل أقمنا دولة وطنية؟ أين هي الآن شعارات القومية العربية؟ أي محاولة للإجابة عن هذه الاسئلة ستنعكس خيبة.. أنا كاتب الخيبات.. أعتقد أن الكتابة هي مرآة الكاتب..

يتساءل الكاتب بلقاسم أبو بكر: يرى بن منصور أن الكتابة لا حاجة لها لجائزة كي تستمر؛ بل هي تحتاج لقراء كي تخلد، هل تصرّ دائما على أن العمل الروائي والفعل السّردي الجزائري بخير رغم غياب أسماء جزائرية عن البوكر وجوائز مشابهة؟

اعتقد، وساكون صريحًا معك، أن بعض هذه الجوائز أفسدت الرواية بقدر ما قدّمت من حوافز، حيث صار كثير من الكتّاب لا يكتب إلا للجائزة.. يكتب ليس للقراء وليس لنفسه بل لأجل الحصول على جائزة.. الجائزة التي وضعت أساسا لتطوير الكتابة الرواية. ثم الرواية الجزائرية بخير وغيابها أو وجودها بالجوائز ليس مقياسًا.. ففي كل العالم الجوائز ليست مقياسا في الادب او الرواية.. بوب ديلان نال نوبل. هل يعني ذلك غياب الرواية؟ أو يعني تراجعها؟ ربما الإعلام صار موجها أكثر منه شارحا وموضحا.. الإعلام صار لا يعرف ولا يلتفت إلا لمن ينال جائزة مهملا بذلك الروائى الذي لم ينل جائزة او لم يتقدم لجائزة..

تتدخّل الصّحافية ذهبية مشدل: لماذا لا يوجد ارتباط بين الرواية و السّينما في الجزائر؟ هل لا نمتلك نصوصا يمكن ان تحول سينمائيا؟

-في مهرجان وهران عام 2015،  كنت عضوا في اللجنة العلمية وقدّمنا محورًا حول السينما والرواية، وذلك بهدف وضع الأصبع على الجرح، كما يقولون. وتناقش أهمّ الكتّاب والمشتغلون بحقل الرّواية في الموضوع، لكننا لم نر ما تمنيناه بحقّ، وهذا ليس لغياب الرواية التي يمكن اقتبساها للسينما! وليس لغياب سينمائيين يمكنهم تقديم أعمال سينمائية جديرة ورائعة.. المشكل الذي وقفت عليه شخصيا وانا عضو في لجنة القراءة لدعم السينما وتطويرها، هي أننا نفتقر بشكل اساسي لكتّاب سيناريو محترفين يمكنهم كتابة سيناريوهات.

رواية فصوص التّيه وترجمتها للفرنسية
رواية فصوص التّيه وترجمتها للفرنسية

الشّاعر والمنتج التلفزيوني نبيل نوي: هل تعتقد بأن غياب الحركة النقدية أو تراجعها عن ركب الإنتاج الروائي، هو السّبب الرئيس في ظهور نصوص رديئة لا ترقى لأن نسميها روايات؟

الحركة النّقدية في الجزائر وحتى في العالم العربي لم تغب، لكنها تراجعت. الناقد اليوم لم يعد يكتشف المواهب والنّصوص بل يُساير المكتشف والمشهور وبدل أن يضف شيئًا جديدًا صار يجتر ويكرّر ما قيل وما كُتب. مثلا ماذا تنتظر ان يضيفه ناقد سيكتب عن ثلاثية نجيب محفوظ؟ أعتقد لاشيء. ولذلك ، وأنت أعلم بهذا، أن هناك نصوص صدرت واختفت ولم ينتبه إليها احد. وبعيدًا عن أي تقييم لهذه الأعمال أقول أن النّقد لم يهتم بها ولم يشر إليها فقط لأن كتّابها ليسوا من المكرسين او من المشاهير! بالتالي فلا غرابة أن نجد نصوصا منشورة لا علاقة لها بالرواية.

هناك كتّاب يُطالبون بيوم مخصّص لهم في الصّالون الدّولي للكتاب..  هل حقّا نتملك روائيين بهذا الحجم؟

صالون الكتاب هو صالون لبيع الكتاب وليس لتقديم الكتاب، بمعنى ما القصد من تخصيص يوم لكاتب؟ هلى هذا الكاتب الذي يطالب بيوم خاص به وصل إلى مرحلة التنظير؟ ويرغب في إفهامنا كيف نكتب او نقرأ رواية! ثم الصالون ليس للرواية فقط فهو صالون الكتاب يعني حتى الكتاب العلمي والديني والسّياحي وكتب الأطفال.. لو عملنا بمنطق كلّ يوم لكاتب فيلزم صالون مدّته أكثر من ايام السنة.. هذا لا ينفي وجود كتّاب كبار في الجزائر يستحقون أن نخصص لهم شيئا كمائدة مستديرة أو ندوة للنقاش حول أعمالهم.. لكن أن يصبح كلّ من نشر رواية يُطالب بهذا الحقّ فاعتقد أن الغرور يفعل بهكذا كاتب ليطالب بمطلب كهذا.

هل لعبد الوهاب بن منصور طقوسه الخاصّة في التعامل مع الكتابة؟

هنا ذكرتني بكاتب قال لي أنه لا يكتب إلا في المطبخ، حول مائدة طهي كبيرة! طبعًا لكلّ كاتب طقوسه أثناء الكتابة وشخصيا أتساءل أحياناً عن طقوسي؟! أتساءل ليس بمعنى أني لا اعرفها! لكني أتساءل كيف صارت شيئًا مقدسًا عندي ولا يمكنني كتابة حرف واحد خارج هذا الطقوس.. وطقوسي جدّ بسيطة مقارنة بالكاتب في المطبخ أو الكاتب الذي يتعرى.. أنا كائن ليلي بمعنى أني أحب العيش ليلا والنوم نهارًا.. لذلك فلا اكتب إلا ليلاً وبسيجارة في الفم وقهوة مرّة سوداء أمامي وبعيدًا عن كلّ صوت، حتى الموسيقى أو غيرها.. الكتابة عندي تبدأ بلحظة صفاء ذهني ووعي مطلق وفي مكتبي وسط الكتب ووسط هدوء تامّ..

الصّحافية زهور شنوف: سؤالي حول مفهوم قتل الأب، كيف تنظر لهذا الأمر في الأدب والواقع؟ هل الثّورة على الأب ضرورية للإبداع؟

هذا سؤال وجّه لي مرة من كاتب لبناني في حوار أجراه معي، من عشر سنوات، بعد صدور روايتي فصوص التيه والتي – حسبه – لا تدعو لقتل الاب، بمعنى أني لست من دعاة قتل الأب في الأدب وفي غيره، فأنا أؤمن بالتّراكم وبالتّجاوز.. فبدل قتل الأب لما لا يكون تجاوزه! ثم التجاوز هو الثورة في الأدب لأننا لسنا مضطرين لخلق أب آخر. الآن انتبه لمن كانوا يدعون لقتل الأب فنصبوا أنفسهم أباءً من جديد..!

أدار الحوار: جلال حيدر 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

فيلم «تحت الرماد» لماذا يرفض التلفزيون الجزائري عرضه ؟

في نهاية الثمانينيات، انتقل إلى منطقة العين الصفراء في الجنوب الغربي الجزائري،  فريق عمل تلفزيوني …

تاريخ العنف في الجزائر.. هكذا تأسّست الجماعة الإسلامية المسلّحة!

تاريخ العنف في الجزائر.. هكذا تأسّست الجماعة الإسلامية المسلّحة!

سأنقل في شهادتي كصحافي، اشتغل طويلا على جماعات الإسلام المُسلّح، بعض المعلومات التي تحصّلت عليها …