الأربعاء، 26 فبراير 2020

مذابح إنسانية فظيعة والسّبب.. الشيبوليث

رشيد فيلالي

في الثّمانينيات، تعرّفت على شاب لبناني في أحد مقاهي قسنطينة.

تحدّثنا عن الكثير من المواضيع، لكن الذي أثار انتباهي أكثر حديثه عن الحرب اللبنانية.

وكيف كانت الميليشيات المتقاتلة تعتمد أحيانًا في تحديد هوية أعدائها على طريقة نطق البندورة (الطماطم)، حيث كان بعض اللبنانيين ينطقها بسكون حرف النون والبعض الآخر ينطقها بفتحها، وطبعًا كلّ من يصعب عليه نطقها فإن هذا الطّرف أو الآخر من الميليشيات يقوم بذبحه على الفور!

تذكّرت هذا المثال المثير عند شروعي في كتابة مقال جديد عن الألغاز اللغوية، حيث اخترت الحديث فيه عن جانب مأساوي فظيع سببه الأول والأخير اللغة، هذه الأداة الإنسانية التي يحاول الكثيرون اختزالها في وظيفة الاتصال فحسب، مع أنها حاملة مصيرنا بل هي روحنا مثلما قال الفيلسوف الألماني فيخته.

ويتمثّل الجانب المأساوي المذكور فيما صار يطلق عليه اللغويون مصطلح: الشيبوليث (shibboleth)، المأخوذ من اللغة العبرية، وهو الذي يعني في الأصل الغصن أو السّيف أو التيار المائي، إلخ.

وقد ورد هذا المصطلح، أول مرّة، في أحد الكتب المقدسة اليهودية(سفر القضاة) حول صراع وقع بين فرقتين، وقد استعملت إحدى الفرقتين كلمة الشيبوليث لتحديد هوية أتباعها مقارنة بأعدائهم ومن لم ينطق هذه الكلمة بطريقة صحيحة تمّ قتله بوحشية.

وبعدها تمّ استعمال هذه الكلمة في اللسانيات على وجه الخصوص كمصطلح يبرز الاعتراف بشخص ضمن مجموعة أو قبيلة أو مهنة أو طبقة اجتماعية معيّنة، وقد سجل التاريخ وقوع عدة مجازر إنسانية أثناء حدوث نزاعات وحروب وفتن وكوارث طبيعية سببها الشيبوليث أي عدم نطق كلمة معينة بطريقة صحيحة!

وربما تأتي على رأس هذه المجازر، تلك التي وقعت عام 1937، حيث خشي رئيس جمهورية الدومينيكان من وقوع انقلاب ضدّه يقوده الدومينيكانيون الذين يعيشون في المنفى بهايتي، وعليه قرّر الرّئيس الدومينيكي آنذاك رافائيل تروخيو إعدام كل العمال الهايتيين المتواجدين على الحدود، حيث استعمل لهذا الغرض حيلة شيطانية تتمثّل في نطق كلمة «البقدونس» الإسبانية «بَرَخيل، perejil» والتي يصعب على الهايتيين النّاطقين بالكريول نقطها فيلفظونها «برزيل، persil». وحدثت المجزرة التي ذهب ضحيتها حوالي 30 ألف قتيل!

في الحرب اللبنانية كانت الشيبوليث هي طريقة نطق البندورة

وفي الحرب العالمية، الأولى حاول المساجين الألمان أن يتماهوا في المواطنين الألزاس وعليه فقد طلب الفرنسيون على كلّ من يشتبهون فيه نطق كلمة «مطرية» فكان الألمان بمختلف لهجاتهم ينطقونها إما  «Regenschirm»  أو «Schirm» ، في الوقت الذي كان الألزاسيون يطلقون عليها بكل بساطة اسم «barabli» وبهذه الحيلة تمّ الكشف عن هوية الكثير من الألمان.

وخلال حرب المالويين اتخذ البريطانيون كلمة المرور «Hey Jimmy» وهي عبارة ينطقها الأرجنتينيون بصعوبة بالغة بلفظها هكذا «يمي، Yimmy».

ويذكر التّاريخ أنه سجل أيضا حادث «شيبوليت» باليابان خلال زلزال كانتو عام 1923، حيث اتهم اليابانيون الكوريين باستغلال هذه المأساة الطبيعية للسّرقة والاعتداء على السّكان الضحايا، وعليه تمّ استعمال من طرف الجيش الياباني وحتى المواطنيين كلمات يصعب على الكوريين نطقها باليابانية وهي «15، 円» التي تنطق (jū-go-en) و« 50، 銭»، التي تنطق(go-jus-sen). عليه فقد ذهب ضحية مثل هذه الإشاعات المغرضة ما بين 2600 إلى 6000 ضحية، منهم كورييون وحتى يابانيون من جزر أكيناوا الذين يصعب على سكانها نطق الكلمات المذكورة بالصيغة المطلوبة.. فتأمّل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …