الأحد، 26 فبراير 2017

الصديق حاج أحمد الزيواني: الكاتب لا يُحاكم على نصوصه

 

الصديق حاج أحمد الزيواني
الصديق حاج أحمد الزيواني

في خطوة جادّة نحو فتح نقاشات هادفة مع الكُتّاب، خاصّة الذين صدرت لهم مؤخرًا كتب، خلال معرض الكتاب الأخير، وللخروج من النّمطية التي تفرضها الجرائد والقنوات في الحوار، في محاولة تقريب الكاتب إلى قرائه، نستضيف الرّوائي القادم من أدرار، الصديق حاج أحمد الزيواني(1967-)، للحديث عن تجربته الروائية التي ينفرد فيها، بموضوع الصحّراء.

صدرت للصديق حاج أحمد الزيواني عدّة أعمال، من بينها رواية «مملكة الزيوان»(2013)، «التاريخ الثقافي لإقليم توات»(2003)، «محمد بن بادي الكنتي، حياته وآثاره»(2009). وأخيراً رواية «كاماراد، رفيق الحيف والضّياع»(2016).

يقول الصديق حاج أحمد الزيواني في ردّ على سؤال، عن شخصه:

«وجه جنوبي بسيط، بساطة جغرافيته الصّحراوية، نشأ بالوسط القصوري، الطّيني الواحاتي بالصّحراء الجزائرية، بمسقط رأسه، زاوية الشّيخ المغيلي بولاية أدرار، تلقّى تعليمه القرآني بداية، بكتّاب القصر الطيني، تدرّج في التعليم حتى حصوله على الدكتوراه من جامعة الجزائر، يشتغل أستاذا محاضرا لمقياس إبستمولوجيا اللسانيات، بقسم اللغة العربية وآدابها بجامعة أدرار، تقلّد عدة مهام بالجامعة منها نائب عميد كلية الآداب واللغات لمدة سنتين، ورئيس تحرير مجلة الجامعة، ليتفرّغ بعدها للتدريس والبحث والإبداع».

يقول الدكتور اسماعيل مهنانة: «أعتقد أن رواية كاماراد، من الرّوايات القليلة التي خاضت موضوعا جديدا، على المتن السّردي الجزائري، الغارق في تكرار نفس التيمات؛ مثل الجنس والسياسة والعشرية السوداء والرومنسيات الضحلة». والذي بدوره طرح سؤالين على الزيواني:

  • هل سيبقي الزيواني في نفس العوالم الصحراوية والأفريقية، أم سينفتح على عوالم جديدة؟ وما هو موقع المرأة الصحراوية من المتن الروائي الجزائري؟

يجيبه الزيواني: «النصّ القادم يشكل الثلاثية التي تكرّس اشتغالي على الفضاء الصّحراوي، لكني في النصّ الرابع، أنوي تغيير الوجهة، حتى لا أبقى رهين جغرافيا معيّنة. أما بخصوص حضور المرأة في المتن الصحراوي، فقد كانت حاضرة وبقوة. فمثلاً في «مملكة الزيوان»، شخصية «مريمو» تمثّل البنت المحرومة من الميراث، والمظلومة اجتماعيا. وقد حاولت مملكة الزيوان، إنصاف المرأة الصحراوية بتعرية زيف الفقهاء، وسكوتهم عن حرمانها من الميراث، بتعطيل نصوص نقلية من القرآن».

يقول في ردّ على سؤال حول حرفة القراءة عنده، وحول رأيه في الأسماء الجديدة، التي ظهرت، لأوّل مرّة، في المشهد الثقافي الجزائري:

«طبعًا، الفعل القرائي انتقائي، أمّا بخصوص الأسماء الجديدة التي حقّقت رواجا، فإني بداية أشجّع الكتابة، وألاّ تبقى وقفًا على أسماء بعينها. وبالمقابل فإن الزّمن كفيل برمي ما لا يصلح منها في القمامة.  وإن كانت مسألة الرواج التي نراها في المعارض، لا تعكس أحيانا مقبولية السّلعة، إذ تدخل فيها المجاملات كثيرًا. لذلك علينا أن نتريّث، حتى نقرأ هذه النصوص، ويقول فيها النقاد رأيهم. إن كان لهم رأي».

من أعمال الصديق حاج أحمد الزيواني
من أعمال الصديق حاج أحمد الزيواني

وفي تدخّل للروائي عبد الوهاب بن منصور، يقول: «أوّلا، أنا سعيد بفتح هذا الحوار، ثانيًا، أريد أن أسأل الصديق حاج أحمد عن رأيه بكل صراحة، عن كثرة الروايات الجزائرية، خاصة الروايات المنشورة بالخارج كالأردن ومصر ولبنان، هل يرى في ذلك هروبا من واقع النشر بالجزائر، أو هو محاولة لترسيم الاسم والاعتراف؟».

يُجيب الزيواني: «سأتحدّث عن تجربتي الشّخصية في هذه القضية. أولاً النشر عندنا بائس، ويجعل الكاتب محدود بالقطرية. بينما النشر في الخارج لدى دار محترفة، يسمح بوصول منتوجك للقارئ العربي، وما تبقى هو رهين النصّ ودفاعه عن نفسه. أما مسألة ترسيم الاسم، فإن النشر بالخارج لن يقدّم شيئا يذكر، لو لم يكن هذا الاسم قادرا على المنافسة، ولا سيما في الدّور الاحترافية، لأنّ فيها كتّابًا معروفين.. بل أرى أن المسألة تكون عكسية أحيانا، لو لم يكن القلم متميّزا.. لأن الناشر الأجنبي، عادة، يهتم بالاسم الذي يُربِحه».

وقد أثارت الصحافية ذهبية مشدل، عدّة نقاط حسّاسة، بأسئلتها المستفزّة، بداية بسؤالها: «الرواية الأكثر مبيعًا، هي الجملة التي نسمعها بعد المعرض الدولي للكتاب. ما رأيك؟»

  • تبدو هذه الكلمة لذيذة طبعًا.. لكننا لا نعرف الكميّة التي جلبها النّاشر للجناح فنفدت. أحيانا يجلب 20 نسخة وتنتهي، ويقول لك نفدت النّسخ!

تضيف ذهبية: «أنا أتحدّث عن روايات بيعت بمئتي نسخة وأكثر، حسب الناشرين، ثم محافظة المعرض تعرف عدد النسخ التي دخلت المعرض، لأنها موثقة لدى المحافظة والجمارك». وفي ردّ له يقول: «طبعا الحكم غير معمّم.. هناك روايات لاقت قبولا لدى الزوار، وبيعت منها كمية كبيرة.. فمثلا رواية «الحيّ السّفلي» لعبد الوهاب بن منصور، دخلت منها للمعرض 200 نسخة وبيعت.. كما أن آسيا علي موسى صاحبة دار «ميم»، أقرّت برواج عدد من الروايات : مثل رواية سفيان مخناش، وكاماراد، وروايات لحبيب السايح.

الصّحافية نفسها أثارت إشكالية مسمى الأدب الإفريقي بأسئلة حساسة.

  • هل الأدب الأفريقي هو ما يكتبه أدباء أفريقيا؟ أو الذي يتحدّث عن أفريقيا؟ هل ما يكتبه مثلا، الروائي الكونغولي ألان مابانكو، يُعتبر أدبا إفريقيًا؟

يجيب الزيواني: «الأدب ابن بيئته. لكن تظلّ إشكالية الكتابة من منظور الأنا والآخر، تطمس الرؤية.. تمامًا كإشكالية الأدب الجزائري المكتوب بالعربية والفرنسية، طبعًا ما يكتبه مابانكو هو أفريقي بفعل الانتماء.. أما الأفضل عندي فهو الكيني نغوغي واثيونغو.

تقول الشّاعرة فريدة بوقنة: «التدقيق اللغوي (المحترف طبعا)، يضيف لمسة التمكّن إلى الرواية، ماذا لو فاقت نسبة التصويب 50 %؟ وماذا لو اختلفت لغة الروائي خارج النصّ لتعرّي العطب؟»

  • التدقيق اللغوي لا يصلح عطب النصّ كاملا.. ما لم يكن الكاتب متمكنًا من اللغة، لأن المدقّق أو المترجم، لا يمكنه فهم السّياق الحقيقي الموظّف من طرف الكاتب مهما اجتهد. التدقيق اللغوي مهمّ.. لكنه لا يكفي ما لم يكن الكاتب متحكما في اللغة. بل أحيانا سيذهب المدقق بالمعنى، غير ما أراده الكاتب أصلا.

أما إجابته حول ما إن كان هناك اسم يمثّل الاستثناء، في المشهد الثقافي الجزائري، يقول: «القراءة مزاج ونسبية. فما يعجبني قد لا يعجب شخصا آخر. غير أن هناك قواسم مشتركة، تجعل النص أيقونة. فمثلا «ساق البامبو» لسعد السنعوسي، يبقى عندي شخصيا، هو النص الاستثناء، نظرا لتوفّر تقنيات الطرائق السردية وتوظيفها بذكاء ومهارة خارقة، فضلا عن اللغة الحكائية اللذيذة، والالتفات لتفاصيل الأشياء البسيطة. وكذا التيمة غير المسبوقة التي طرقها في ساق البامبو. هذا هو النصّ الذي نستطيع أن نقول عنه أنه استثناء،  لفظ الاستثناء، له حمولة دلالية ثقيلة. بمعنى أنه خارق. إذا كان، فربما «نجمة» تعتبر طفرة وأيقونة، في الرواية الجزائرية.

الصديق حاج أحمد الزيواني
الصديق حاج أحمد الزيواني

كتب بوجدرة «تيميمون» سنة 1994، ثم تلاه الحبيب السايح في «تلك المحبّة»، و«اليهودي الأخير لتمنطيط» لأمين الزاوي، هروبا من الشمال الذي كان يرزح تحت سياط الموت، هل برأيك أعطوا للصّحراء حقّها؟ وما رأيك في ما يقوم به أمين الزاوي، هل يحتاج الأدب إلى تلك الإباحية؟

بخصوص ما قدّمه بوجدرة ولحبيب السايح والزاوي بالنسبة لأدب الصحراء.. فهو مفيد ومهمّ جدًا.. ذلك لأنه من منظور الزائر والسائح، حيث أن هناك أمور لا يلحظها غير الزائر، أما الذي وُلد وتربّى معها قد يراها عادية. لكن كتابة ابن الطين والرّمل عن فضائه، تبقى استثنائية، بحكم معرفته الدقيقة لتفاصيل الأشياء التي تربّى وترعرع معها. أما بخصوص ما ذكرته من الإباحية في أدب أمين الزاوي، فأعتقد أن الكاتب لا يُحاكم على نصوصه، فهو حرّ في ذلك.. غير أني ضد توظيف الجنس والإيروتيكة دون مبرّر مقنع، في المشهد الروائي الموظف فيه.. أما إذا كان هناك مبرّر ومسوّغ فأرى ذلك عاديا، لأنه يتماشى مع سيرورة النصّ، والذي في الأخير ما هو إلا وجها آخر للحياة.

وفي تدخل للكاتب عمّار بن طوبال: «كاماراد هي رواية تخييل، في حين مملكة الزيوان هي رواية ذاكرة بامتياز، لم يحضر فيها المتخيل إلا قليلا. سؤالي: «هل الاعتماد على الذاكرة، خاصة الذاكرة البعيدة (الطفولة) في كتابة رواية ذات منحى تأريخي، هو سعي لكتابة تاريخ ما من منظور شخصي، أم انه مجرد اختيار جمالي؟».

يجيب الزيواني: «فعلا، «مملكة الزيوان» تنهل وتغرف من السّيرة والذّاكرة. وقد كان ذلك بقصدية توثيق الذّاكرة الشّعبية التواتية، وحفظها من الزوال، وإن أتى ذلك في قالب فنّي. أما رواية كاماراد، فكانت رواية تخييلية كما ذكرت».

وفي تعليق للروائي وليد بلكبير: «أعتقد أن الروائي يجب أن يكون إنسانا أولا، يختلط بالفئات المهمّشة وكلّ الفئات الأخرى، يلتقط المعاناة الإنسانية بكلّ أبعادها. لا يعيش في مربّع ضيّق، ويطلق أحكامه الجاهزة، حياته تمتدّ طولا وعرضا بالسفر والقراءة والتعلم من مشاهداته».

أدار النّقاش: جلال حيدر

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

محمد بن ديدة : مواهب متعدّدة وتهميش

بلخير خيري   «النّجاح نتيجة العمل، والمكافأة نتيجة الحظ، والحظ رهينة الشّيطان»: ابراهيم الكوني. من …

الكُسكسي أو «الطـْعام»: ما لا تعرفه عن أُكلة الجزائريين المفضّلة.

د.خيرة منصوري هكذا  كنّا؛ في كلّ يوم  جمعة : تُحضّر قصعة واسعة، تُملأ بالطْعام أو …