الجمعة، 21 يوليو 2017

فايزة مصطفى ﻟ«نفحة»: الواقع أكثر إثارة من الخيال

فايزة مصطفى
فايزة مصطفى

أخيراً، أصدرت فايزة مصطفى مجموعتها القصصية الثّانية: «البرّاني»(منشورات الفيروز، 2016)، وتتحدّث الكاتبة، في حوارها مع «نفحة»، عن إصدارها الجديد، وعن هموم أدبية أخرى. تعتقد فايزة مصطفى أن القصص تولد من الدّاخل أولاً، قبل أن تصير نصوصا على ورق، وأن الواقع أكثر إثارة من الخيال..

من أين تبدأ القصّة القصيرة؟ من فكرة أم من جملة؟

أعتقد أنها تبدأ من حالة إنسانية تصادفنا أثناء انتظار حافلة مثلاً، أو من سماع حكاية واقعية مؤثّرة، أو بعد عيش حلم جميل أو الاستيقاظ من كابوس مفزع.. القصص بالنسبة لي تكتب في داخلي، وأعايش وقائعها التي تتطوّر يوما بعد يوم، إلى أن أجد وقتًا مناسبًا لأدوّنها على الورق.. أعتقد أن حمل القلم لكتابتها أو رقنها على الكمبيوتر هي لحظة استثنائية في حياة كلّ كاتب، فهو سيخلق حياة لشخوص متخيّلة ويضع لهم أقدارا ومصائر.. وأفكارا يريد إبلاغها للناس، وفي الأخير كلّ مبدع سواء كان شاعرًا او روائيًا أو قاصًا أو مخرجا سينمائيا هو يريد إنجاز عمل أدبي أو فني يمتع المتلقي أولاً واخيرًا، لطالما أحبّ البشر منذ بدء الخليقة سماع القصص ومشاهدة التمثيليات.

في الغالب، تأتي شخصيات قصص فايزة مصطفى من الطّبقات السّفلى من المجتمع. يشعر القارئ كما لو أنّه يُشاهد صورة واحدة مُصغّرة من حياته، لا أكثر.

أنا أؤمن بأن كل شخصية متخيّلة داخل العمل الفنّي أو الأدبي قد وجدت أو ستوجد في هذه الحياة، نحن لا نتخيّل من العدم.. كلّ الروايات أو الأفلام أو الأعمال المسرحية هي صور من الواقع بتفاصيل مختلفة.. فقط ما يضايقني هو ذلك الرّبط الذي ينسجه القارئ أو المتلقي بين المبدع وبين الشخصية الرئيسية في الرواية أو القصّة أو الفيلم وغيرها، وكأنه يحوّل تلك الأعمال إلى سيرة ذاتية لصاحبها وينسى ذلك الملتقي أن الكاتب الذي لا يتسلف حيوات الآخرين ليكتب عنها أو يتخيل حوادث وحكايات مثيرة أو خارقة هو كاتب فاشل، فالإبداع يحتاج إلى خيال وأنا أجد نفسي في حالة تماس مع الطبقات السّفلى من المجتمع، فالدروايش والمجانين ومعهم المهمشين والمظلومين هم ملح هذه الحياة، وهم مصدر إلهام ليس فقط للمبدع بل للبشرية جمعاء، لأنهم يملكون قدرة على المقاومة والإصرار على التمسك بالحياة، هؤلاء يملكون تجارب إنسانية حقيقية تنعصر منها حكم ومفاهيم يعجز عن رصدها أكبر المنظرين في علوم الدّنيا كلها.

في كلّ واحدة من القصّص، تحاولين تقديم سبراً لنفسيات الشّخصيات. كيف يمكن أن ننتقل بحكاية عادية إلى عمل إبداعي؟

كلّ حياة عادية هي عمل إبداعي عظيم.. التّفاصيل الجانبية من يومياتنا هي أفكار فلسفية، لطالما اعجبنا بقصص بسيطة إذا ما نسجت حبكتها على حالة إنسانية عميقة، وكلما سُردت بطريقة سلسلة وبلغة سهلة ستعيش لمدة طويلة في ذهن القارئ.. هناك الكثير من الأعمال الأدبية أو الفنية التي أفرط أصحابها في توظيف المؤثرات والاشتغال على أسلوب التشويق والبلاغة..لكن سرعان ما تفقد سحرها بعد الانتهاء من قراءتها أو مشاهدتها، وتصبح نسيا منسيا فيما بعد.. أما بالنسبة لي الواقع أكثر إثارة من الخيال.

غلاف المجموعة القصصية
غلاف المجموعة القصصية

مفهوم القصّة القصيرة يبدو – أحياناً – غامضاً. قد يحتاج إلى تعريف أدق. ما رأيك؟

تضمنت مجموعتي القصصية الأولى «أزرق جارح» قصصا قصيرة، أما عملي القصصي الثاني «البرّاني» فقد احتوى على قصص طويلة، ربما كتبتها بنفس سردي أكبر وتعمّدت الإسراف في التطرّق إلى التفاصيل أكثر.. وهناك من شجّعني على الولوج إلى عالم الرواية، لكني فضّلت أن أبقى وفية لكتابة القصة بسبب هيمنة الأجناس الأدبية الأخرى كالرواية والشعر على المشهد الأدبي في الجزائر وفي العالم العربي، ولإيماني بأن المستقبل سيكون للقصّة القصيرة في المرحلة القادمة.. أنا أعتقد أن كتابة القصّة القصيرة هو عمل أصعب مقارنة بكتابة الرواية، فكاتب الرواية يستطيع توظيف الحوار والشّعر والتّناص للتأثيث لنصه، بينما تبدو الشخوص داخل القصّة القصيرة مقيّدة وعليها أن تتحرّر وتقول كل شيء دفعة واحدة.

هل يمكن أن تداوي الكتابة حالات القلق الوجودي التي يعيشها الإنسان؟

عندما نطّلع على الكتابات الهيروغليفية المدوّنة في الأثار الفرعونية، والحروف المسمارية المحفورة في الآثار البابلية، ورسوم التيفيناغ المنقوشة على جبال الأهقار، ندرك أن الانسان الأول اكتشف قوة  الكتابة التي أصبحت شفرات عابرة للأزمان، توثّق لحياة الأجداد وطقوسهم وأفكارهم وأحلامهم، لذلك أنا اعتبر أن الكتابة هي إرث إنساني تتوارثه الأجيال.. وعلينا أن نكتب عن حياتنا الحالية ونثير كلّ إشكالياتها إنطلاقا من حالات القلق والأسئلة الفلسفية إلى غاية رصد الأزمات التي تعصف بدول ومجتمعات، بالكتابة نوثق تخيلاتنا للمستقبل، فنتصوّر إنجازاته المذهلة التي ستجد حلا لكل المستحيلات، وأيضا قد تعبر عن قلقنا وتخوفنا من تداعيات هذه الثورة العلمية وهذه مهمة المتخصصين في أدب الخيال.. أعتقد أننا سواء كتبنا عن الراهن أو المستقبل، أو أثرنا مسائل غامضة من التّاريخ في كتاباتنا تبقى الكتابة سلوك حضاري، وستظلّ تلك اللحظة التي يقرّر فيها أحدهم كتابة نص ما لحظة تاريخية.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

انتفاضة أكتوبر 1988

أكتوبر 88 أو الرّبيع الجزائري.. هل كانت السّلطة مجرد شبح؟!

أكتوبر 1988.. حصلت الانتفاضة.. انتفاضة شكّلت نقطة تحوّل، في تاريخ الجزائر المُعاصر.. احميدة عياشي عاشها …

مولود حمروش.. من عرّابي صالونات السّياسة

صالونات السّياسة في الجزائر.. رواية لم تُكتب بعد

صالونات السّياسة هي لقاءات، تدور بين صحافيين وكتّاب من جهة، وبعض المسؤولين في الدّولة، من …