الأربعاء، 26 يناير 2022

في أرض الثّعابين، لا أأمنَ من جحر الأفعى!

 

فؤاد ڨاسمي

«…سيقتلني ذلك الشيطان، القابع كالربّ – لا ينام – في آخر الرّواق، حين يعلم أمرنا.

سيغرقني في أقذر حاوية وقود في باحة مسجده القذرة، ويقذف في رطوبته النّتنة عود ثقاب مشتعلا، لحظات قبل أن ألفظ أنفاسي.

أعلم! لكن لا أجدر بالمغامرة من شفتيها.. بداية الأبدية ونهاية كلّ قافية، شفتاكِ.. لا أملك إلاّ أن آتي عجلا وجلا صاغرًا مطيعًا موحّدا لكِ الشّهوة، مستسلمًا بين يدي شبقٍ واحد لا شريك له إليكِ، وليذهب ربّ هذا القصر العاجي المفرغ من كلّ الأرواح مع الرّياح!»..

كتبْتُ بانهماك، أتنشّق مع كلّ حرفٍ أخطّه، نفحة من عطره…

  • باغيا تخرجي من رحمة ربّي نتي واقيل!.. أستغفر الله ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم. بربر ساخطا واسترسل يخطب، يشتعل حماسة، كأنه بسخطه ذاك يطهّرني من رجس ما.
  • يا ودّي ما تقلقش، ما تزيدش تقرا وش نكتب وخلاص! وزيد، بلعقل على صحتك تعود تضربك la tension وتموت.. إن لبدنك عليك حقّا يا شيخ! ولا كيفاه؟

«إن لبدنك عليك حقّ.. ولنهديَّ عليك حقّ، ولشفتيّ عليك حقّ، ولصدركَ عليّ حقّ..» خربشتُ على غلاف كتاب من كتبه، جعلته ظَهرَ كتابة لأوراقي.

«اقتضاء الصّراط المستقيم، مخالفة أصحاب الجحيم» كان هذا عنوانه، كتاب آخر من كتبه الّتي طالما أهداني ليَهدِيَنِي. قرأته كعادتي والكتب، لم يحمل بين صفحاته فاخرة الطّباعة إلاّ كرها، كالعادة ودَرنًا، وصحراء، وإلها بدويا يحبّ العربَ ويكره النّساء. كتبت في آخر صفحة منه: « اذهب أنت وربّكَ إلى الجحيم!.. ربّ القصر العاجي المفرغ من كلّ الأرواح، الواحد ذي الشركاء، البدوي الجلف.. شيخٌ وإمام وفقيه، وأمير ونبيّ غازٍ، وسبايا تنكحنَ لوجه الله..».

سيجنُّ ويمضي ليلته في الاستغفار حين يرى ماكتبت، سيدعو لي بالهداية ثمّ ينطلق إلى صلاة الصّبح في المسجد يؤمّ الناس وينصحهم، ويعظهم رحمةَ الله بهم إذ جعلهم مسلمين وفضّلهم عن الملايير الباقية.

  • نروح نكونيكتي خيرلي..

تركته واقفا يتوسّط المطبخ الفسيح، الذي صرف فيه كثيرا من أموال «المريدين»، فقط ليرضيَني؛ كان يظنّ أنّي «زنجيّة مطبخ».. لا يطلب الرجل في الزواج إلاّ زنجيّة. زنجيّة فراش، ومطبخ.

انصرفتُ أعدّ بعض القهوة لسهرتي أمام الحاسوب، تركت أمامه الكتاب على طاولة الطّعام، مفتوحا على آخر صفحة فيه، آمل أن يراه، فيمضي الليل مغتاظا يتهجّد، يستغفر، لا يقربني، أصبح ريح المسك المخضّب للحيته الهزيلة يشعرني برغبة في القيء.. لا أريده أن يقربني.

آخر مرّة كانت أكثر حيوانية من مضاجعة الكلاب، حتّى الكلاب الضالّة لها طقوس في النّباح والزمجرة والتجمّع حول الأنثى قبل مجامعتها تباعا، حتّى الكلاب أحسن منه.

هو لا يعرف من الجماع إلاّ بسملة وأدعية وطلاسم يقتحمني بعدها تمامًا كما يمتطي مراهق أخرق فرسا جامحة، يقترب ويتشبّث، يركبها فتسقطه، فينسحبُ حانيَ الرأس أمام ضحكات جمهور لا يوجد إلاّ في رأسه.

لم يقبّلني حتّى..  الجلف بن الأجلاف!

«اسمع! كي تخرج جيبلي باطا قهوة معاك آي ڨريب تفضّ». صرختُ به عبر الرواق العتم الفاصل بين غرفة النّوم والمطبخ. لم يرد، لكنّه سمعني بكلّ تأكيد. سيهرع كالخادم المُطيع ويحضرُ لي علبتي قهوة بدل واحدة. لا يدّخر جهدا ليرضيَني، لكنّي لا أطيقه.. الجلف بن الأجلاف.

تكاد القهوة تنفد، ولا عيش لي دونها.. القهوة كقلبي، سوداء ومرّة، لكنّ لها سكّرا يحلّيها وحليبا يبيّضها ولا سكّر ولا حليب لقلبي.

صغارا، قالوا لنا في المدرسة أنّ القهوة اكتشفها أوّل مرّة راعٍ عربيّ أكلت من نبتتها أغنامه فأصبحت نشيطة، لكنّ ذاك الرّاعي كان إثيوبيّا من شعب الأورومو، العرب استوردوها وباعوها في أسواقهم فقط لكنّها تعرّبت هي الأخرى كبقيّة الأشياء.

  • قهوة وڨارو خير من السطان في دارو!

حملت كوب قهوتي السّوداء، وعلبة سجائري الرخيصة، وقصدت غرفة النّوم. كلّما فتحت باب هذه الغرفة اللعينة، تذكّرت ليلة الزّفاف.. آه! كم كنت حقيرة وتافهة وعاهرة عندما قبلت الزواج به، ظننت أنّي سأنتقم من «لْعربي».

ابن العاهرة! لم أنتقم إلاّ منّي…

الأعرابي بن الأعراب، لم يكلّف نفسه، ليلتها، عناء حلق عانته القذرة.. لم يحادثني حتّى، رماني على السّرير كدمية منفوخة، رفع قميصه واعتلاني، مرّت دقائق أو دقيقة، كساعات من القرف تحت جثّته الضّخمة العفنة، ثمّ ارتعش، ثم اعتدل على يمينه، بعد أن تأكّدَ من رؤية «شرفي» أحمر يخضب قميصه الأبيض، ونام. كنت حمارة مطيعة يومها، وظللت كذلك لأكثر من شهر، لست أدري كيف تحمّلت عفن العيش مع وحش من القرون الوسطى كلّ هذه المدّة، كانت تلك إحدى مرّات خمس اعتلاني فيها، طوال أشهر سبع، لم تختلف.

في كلّ مرّة كان يتمتم دعاءً ثم يقتحم، ثم يرتعش وقد عجز حتّى عن استثارتي، ثم ينام ليستيقظ قبل الصّبح، ولم أنم بعد، ينطلق إلى المسجد يؤمُّ الخلق في دنياهم، ويشقّ طريقهم إلى الآخرة. يعدهم بالمأكل والمشرب والملبس والمأمن والشّهوات، لا أظنّه يؤمن أن لي شهوة. تراه يؤمن أنّي إنسان! لا أظنّ ذلك واردا في كتبه، لم أقرأ يوما أنّ المرأة «إنسان» في كلّ ما أهداني، وكلّ ما طالعت، من كتب وكلاء الله المعتمدين الذين يقتدي بهم.

تمرّ ثمان أشهر على «زواجنا» بنهاية هذا الأسبوع، 244 يوما من البدوية، 5856 ساعة من القرف، ودقائق معدودات من الجنس الحيواني الأناني، لا يمكن حتّى أن أسمّيه جنسا، لكنّه يسمّيه «نكاحا» اقتضاه عقد نكاح «شرعي» على سنّة «الله ورسوله».

كلّ ما بيني وبينه عقد «نكاح» استحلّ به جسدي، لا شيء آخر.

لا أظنّه علمَ يوما أنْ ليس من واجبه علاجي إذا مرضت، لو أنّه قرأ كتبه تلكَ حقًّا لما عالجني حين مرضت، أو ربّما يعلم أن شيخا من شيوخه قال ذلك، لكنّه يخالفه لطيبة ما في قلبه. ليس بالشّرير لكنّه متخلّف وأحمق وغبيّ وأبله لا عقل له إلاّ ما قال سلفه الصّالح بجوازه. أتساءل كيف يسمح لهكذا كائنات بالسّير في الشّارع بعد كلّ تلك الجرائم التي ارتكبوها في حقّ أبرياء سنوات التسعينيات.

«لعربي» يا ابن المومس، أين أنت؟ ماذا تفعل الآن يا ابن الكلب؟ هل تُضاجع غيري أم أنّك ترهبنت كما كنت تعدني؟.. ولماذا يترهبن؟ شابّ في ذكائه وسحره سيحصل على مئات الجميلات حتّى دون أدنى جهد منه. لو يعلم كم تشتهيه النّساء لما خرج من البيت بكامل زينته، الأحرى أن يطبّق الحجاب على أمثاله لا على أمثالي فلا شيء جذّاب فيّ غير مؤخّرتي ربّما، أو شفاهي، أو خصري.. لكنّ «الغاشي» لا يهمّه إلاّ أنّ بجسدي فتحة يولجون بها قضبان اللّحم الّتي يتمحوّر حولها عالمهم والكون.

أين أنت يا «لعربي»؟ لقد اشتقت إليك.. اشتقت إليك بوجع، بحسرة، بغضب، بحقد أعمى على كلّ ما أنت وكلّ ما تفعل وكلّ ما تكون. ليتني لم أتركك أبدًا، ليتك لم تضعف وتنسحب، ليت أمّك لم تكن مومسا، ليتها لم تضربك، ليتها لم تفسد طفولتك، ليتك لم تعرف «ليلى»، ليتك لم تخنّي يا حبيبي…

آه! لو كنت حرّة، لكانت ذراعا «لْعربي» تطوّقني الآن. تماما كما كانت آخر مرّة في غرفة الفندق الوضيع التي حجز لنمضي الليلة معا. لم يُتَحْ لنا يومًا المجال لممارسة «حبّنا»، كنّا فقط نتضاجع. في هذا الماخور لا مكان للحب، فقط للمضاجعة.

في هذه المدينة البائسة، ضيّقوا على العشّاق الخناق حتى غابت القبل. جوع العاشقَين لبعضهما لا يدع مجالا حين الخلوة لغير الجنس. حتى القبل حينها تكون شهوانية حيوانية، غير ذات معنى، متلهّفة تسرع المسير من الشّفاه إلى الرّقاب إلى الصّدور.. ولأنّ لا مكان للخلوة هنا، سادَ الجوع وحلّت الشهوة مكانه كلّما كانت خلوة، فكانت القبل نسيًا منسيًا.

هل يوجدُ في الدّنيا ما هو أحلى من قبلات «لْعَرْبي»؟ لا أظنّ.. هل كانَ عليَّ، حقًّا، أن أختار بين الملحد والإمام؟ لا أدري، أكان خيارًا أم حتمًا! ولماذا عليَّ أن أعيشه؟.. لكن، ماذا سيحلّ بي لو تركتُه، سأباعُ في سوق «الحيّ» الجنوبي لا محالة. وحدهُ يستطيع أن يحميني من أبناء قبيلة القردة التي ينتمي إليها. مذ سيطروا على المدينة، لم يعد هناك مكان آمن لـ«عاهرة» مثلي، إلاّ حضن إرهابيّ منهم.. ولا أأمن من حضن شيخهم..  لا أأمن من جحر الأفعى في أرض الثعابين هذه..

 

مقتطف من مشروع رواية قد تحمل عنوان: ابنٌ الـمومس (A son of the prostitute)

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …