الأربعاء، 26 يناير 2022

خصي العلماء.. في اللغة

رشيد فيلالي

في عالم التّرجمة ثمة الكثير من النّصوص التي يستحيل ترجمتها بدقة، بالنظر للتّراكيب اللغوية المرتبطة بخصوصية هذه اللغة أو تلك، والنّاجمة مثلا عن التلاعب بالألفاظ وطريقة الكتابة والتعبير.

نقل المعنى في هذه الحالة يفقد الكثير من بلاغة العبارة وسحرها ومعناها المراد إيصاله للقارئ.

ولن نضيف جديدا إذا قلنا بأنه يجب على المترجم الأمين والمتميّز أن يكون ملمًا بأسرار وثقافة اللغة المصدر قبل أن يترجم إلى اللغة الهدف، وإن كان ذلك في أحيان عديدة يتعذر مثلما ذكرنا.

وتحضرني في هذا المقام عبارة جميلة جدا تبرز التلاعب العبقري باللغة المصدر، وكيف استطاع كاتبها أن يمرر رسالته بذكاء فريد وبلاغة وشاعرية راقيتين، هذه العبارة باللغة الفرنسية وهي «Demain je me lève de bonheur». طبعا عبقرية هذه الجملة، تكمن في طريقة الكتابة والتلاعب بالألفاظ، لكن الجملة ذاتها تفقد محمولها البلاغي وهذه العبقرية في حالة سماعها فقط، وطبعا يكمن سرّ التلاعب، كما يلاحظ، في توظيف كلمة(De bonheur)، التي تعني هنا «غدا أستيقظ سعيدًا» فيما على مستوى السّمع فهي تعني «غدا أستيقظ باكرا». وهي تكتب هكذا«De bonne heure». ومثلما نلاحظ إن ترجمة مثل هذه الحكم، إذا صحّ التعبير يبقى صعبا للغاية وهو عين ما يحدث في النصوص الشعرية و المقدّسة خاصة القرآن الكريم..

وعلى الصّعيد ذاته، لن أجانب الصواب لو قلت بأن هناك الكثير من الكلمات العربية التي دأب بعض المدققين اللغويين على وصفها بالخاطئة، في حين أنها قد تتضمن في الحقيقة مثل ذلك التلاعب الذكي من قبيل الذي ذكرناه أعلاه، وكمثال على ذلك كلمة الطبيب «الأخصائي» في مرض معين، ومعروف أن المدلول الأصلي لهذا المصطلح الشائع لا يعني «المتخصص» في مجال علمي أو مهني معين، بل يعني وهنا مربط الفرس كما يقال، الطبيب «الذي يمارس الخصيّ!».

وطبعا ليس هذا هو المقصود بذكر واستعمال هذا المصطلح، وإلا فإن الجميع سيتراجع ويتجنب توظيفه بالمطلق، إذ يقصد به وهو الاستعمال الذي يؤكد على صحته علماء اللغة «المتخصص أو الاختصاصي» لكن الذي يبحر في كتب التراث اللغوية والأدبية سيكتشف بأن مصطلح «الأخصائي» صحيح بمدلوله الصّادم والمنفّر، إذا علمنا خلفيات معناه ودوافع استعماله الأولى، حيث أن الشائع في تراثنا العربي أن «العالم» هو ذاك الذي يلمّ بجملة من العلوم مجتمعة، إذ تجد العالم فقيها ولغويا ومفسرًا وفلكيا وطبيبا ومؤرخا..إلخ ونادرًا ما تجد عالما عربيا أو مسلما في تراثنا مختص في أحد العلوم المذكورة فحسب، وإذا وجد فإنه يطلق عليه وصف «خصي العلماء!!» لكونه اكتفى بإجادة علم واحد، وهو بذلك يشبه الخصي في نظر زملائه من العلماء الموسوعيين.

ومن هنا فإن مصطلح «أخصائي» يتضمّن إذن المعنى المقصود لدى العلماء في وصفهم وحيد العلم وليس كما يتصوّر المدققون اللغويون المعاصرون، وهذا فعلا أمر غريب عجيب.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …