الأربعاء، 26 فبراير 2020

أسماء جزائري تكتب: ما لا يعدّ من حصى

  (1) «يا ستّ الحبايب» فايزة أحمد.

  • تربطينَ محرمتكِ، فتربطين قلبي في تلك العصبة، أنتِ أغنية يتشقق عليها الحزن، ويدخلها الغجر من كلّ لحن ودمع، ليقضوا على غرابة انزعاجهم حينما تواصلين الضغط على نافذة مطبخك المطلة على أطباق اللاّشيء.
  • تنقلين الكلمات من مكانها المعتاد إلى نكهة الصائب، كأنّكِ تعجنين خبزاً من خبز آخر، لأنّه لم تتوفر لديكِ ما يخمّر المِحنة.
  • على وجهكِ ترقدُ كلّ النساء، أنتِ تصنعينَ الوقت الحميم، ونحن نشربُ اللَّحظة لاحقاً، كمن يغرفُ ممَّا مضى ليُعلّبَ هدوء الآن.
  • إلى جوار الأسرّة تتركين كلّ غفواتكِ، وحكاياتكِ عن الغول، وبقرة اليتامى، نحن فقط نستطيع مراقبتكِ بهم الآن دون أن تأتي.
  • تمرضين، فأصبحُ مزعجاً، أنهي علاقتي مع حبيبتي، وألقي بكلام من حجارةٍ على الوجُوه، حتى يتسنَّى لهم الشُّعور بألمِي، ووعكتكِ، أصلي كثيراً، ولا أنتظرُ متى يأذن لي بذلك، أستطيعُ الآن أن أقول لكلّ من يسألني ما بالكَ؟ : أنا طفلٌ رضيع تُحاول رضَّاعة إبعادي عن ثدي أمِّي.
  • أيّتها المُتفانية في تنظيفنا من الغُبار والعثرات، من يستطيعُ مسحَ غباركِ عنّا حين تتأخرينَ يوماً عن القدوم باكراً إلى غرفنا، وتفتحين النوافذ ليدخل «قسّام الأرزاق»، أيها الرزق الوافر حين تتأخّر، تتعثَّر كلُّ الملائكة، وتسقط صوانِي الخير والبركة، فتندلق على أسرّتنا، ووسائدنا أحجيات الفقر.
  • تنشرين التّين على أغطيتي في باحَة المنزل، كأنَّني فقيرٌ، وهذا القلب الكبير يجففّ الطُّعم حتى لا تفقس المرارة في مذاقي بقيَّة السَّنة.
  • أنا ابنكِ الذيّ يقرأ اسمه بين شفتيك، وقتَ الدُّعاء، ابن ضحكتكِ وغضبكِ، والسّورة الوحيدة التي تحفظينها في الصَّلاة، ابن كؤوسك وطواجينك الطينّية المنشطرة على الرُّفوف، ابن فطائر البيض في صواني فرحكِ بقدومي، وصحونك التي تصبغينها بطلاء الأظافر، قبل أن تعيريها للجيران، ابن كلّ تلك الأبواب التّي كنتُ أطرقها بحثاً عنها، كأنّها فرد من عائلتكِ. هنّ كثيرات، لكنّكِ الوحيدة التي استطعتِ أن تكوني أمي.

(2) «أحنّ إلى خبز أمي» : محمود درويش

  • لي مسافة جديدة، تطلقها الحياة عليّ، وتصيبينني أنتِ بها إذا ما أخطأْتني، مسافة صنعناها سويّة ستأخذني منّا «امرأة جديدة» تُجيد تجويع جسدي.
  • في الجُروح التّي تنزفُ عمراً مضاعفاً من التّعب والخلاص، تجلسينَ كإنارة حكوميَّة لا ندفعها من جيُوبنا، لتنُيري أمام ناظري اتجاهاً مفلساً من التأوّه، تخبزين الضَّوء لتطعمي رؤية ملؤها عيناي.
  • أكلتُ الكثير من الجُوع، حتّى إذا جعتُ من أمي تدربّت على خواءِ روحي، وصفِير أعضائي من الهشاَشة، وحين شبعتُ وجدتُك الجُوع الذّي استعصى عليّ مضغهُ كطبقٍ نتخلَّص منه في الحمَّامات ..
  • تتأخرين عن طبخِ الحنان، فيمرض العالم من حولي بصداع حادٍ، ويسعلُ مارّة الشارع المطل على غرفتكِ بداع التهاب غيابكِ في رئة الجِدار.
  • للفِناء أنينٌ موجِع، أحدهم كسره، وكان يكفي أن تعبريه «بخفّيكِ البلاستيكي»، حتى يجبّر هذا الجوع، ويسترجع عافية حضوركِ.
  • يسترخي مسنداً رأسهُ للصَّوت، الاتصال الذيّ اكتشفَ لتوِّه دفئاً هاتفياً طبخهُ رقمكِ.شكراً لرحمكِ الذّي طرحنِي كبذرة، وأضافني شجرةً من إنسان.
  • (3) «لا تموتي أيتها العجوز، بغيابك لن يكون أحد بمقدرته الإساءة إليّ» : نابوليون
  • عدا فتح النوافذ باكراً، للأمهات شقاوة أخرى، إمكانيّة الاختفاء للأبد.
  • في الأماكن المراقُ فيها اليتم، يقشعرّ السكين مما يفعله الموت حين ينظر إلى جسدي وهو يتغطّى بدفء الدماء.
  • يضعونَ الشموعَ داخل الكؤوس، ويتركون موتها يسيء للإنارة المنبعثة من شقّ غرفتكِ الموارب على الذكرى.
  • بازدحام المخلصين، أبحث عن موقفكِ بين تضاريس غربتي، ألفني الظهور في أماكن كالشارد المهموم، لي قلبٌ يتدلى من عينيّ، فتنبض رموشي علامة لـلاستنكار ، لي فم منطلقة شفتاه للارتباك كقارب يخضّه الموج، وحبله المربوط إلى مراسي التردّد، لي يدان مفلستان ألقت بقطع كثيرة من ملمسك داخل أخرى، وقدمان نبت من شقوق حوافرها ما قطعت، وحين أزهر على معصمي وجهك تقولين : سأموت ، فأموت أنا قبلكِ بمراقبة تصرفاتي كأنكِ تجرّبين دوراً حاداً يأخذ شكل طعنة .
  • تبدين كمن يخيفٌ طفلاً حين ينطفئ الضوء، ترتدين الغياب وتستلقينَ كبياضٍ في ذاكرة معتمة، الحقيقة الوحيدة التي لا ترعد خوفي أن تكوني فعلاً أخذت منزلا آخراً غير الذي تركت لي فيه ساعة من أسنان على معصمي.
  • تحوّل كل شيء، ثيابها، أحذيتها، عطرها، والعقد الوحيد الذي تملكه إلى إرث أدافع عن خلوده بسلالتي.
  • أرتديكِ كمعطفٍ ثقيل على مرّ الحاجة، في أوقات الحرّ تعينني على برودة الأماكن من بعدكِ، و في أوقات البرد تلهبينَ فيّ الذكرى كورقة تتغطى برأس عود ثقاب.
  • السفن التّي لم تعد ترسو على صدري لتفحصَ راحتي، تركت فراغاً في أعماقي لمرساتها، أصبحت أعينه بدواء القلب وبقيّة من صوّرك.
  • أتّجه دائماً صوبكِ، في كلّ النساء اللواتي فتّشنَ عنّي كنتُ أبحث عن صدركِ، عن ثديكِ، كانت عيونهن تقول لي اقترب، لكنها المرّة الوحيدة التي قالت لي إحداهن تعال بإشارة من أصابع يديها و«غغوش» فركضت إليكِ على أربعة قوائم من الفزع في اتجاهها .

(4) «ثقي بأنّ ابن هذه الدموع لن يهلك»: القديس أمبرسيوس أسقف ميلانو للقديسة مونيكا.

  • أتوقّفُ . . لأمسحَ متاعبي حين أفكّر بثوبكِ المبلول ببولي، هكذا يعبّر الأطفال عن حبّهم إن ارتاحوا .

أسماء جزائري

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

ريلكه

أن تقرأ ريلكه بالعربية

محمد الصّالح قارف مرّت عشر سنوات على ترجمة كاظم جهاد لأهم الآثار الشّعرية لراينر ماريا …

الرواية الجزائرية تتألق في الجائزة العالمية للرواية العربية

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية هذا الثلاثاء، عن الروايات المرشّحة للقائمة الطويلة بدورتها للعام 2020، …