الخميس، 27 فبراير 2020

إيزابيل إيبرهارت والجنرال ليوتي

خليفة بن عمارة

من فيلم إيزابيل إيبرهارت

كان للجنرال الفرنسي ليوتي (1854-1934)، القائد الجديد المعيّن في أكتوبر1903، على رأس مقاطعة العين الصفراء، الممتدّة عبر كامل الجنوب الغربي الجزائري، تصوّر جديد لمهمته، خاصة بعد القلاقل التي عرفتها المنطقة خلال تلك الفترة، والانتفاضة الشّعبية للشّيخ بوعمامة: بسط السلم (Pacification)..

تلك هي الكلمة السّحرية، التي اعتمدها الجنرال ليوتي كاستراتيجية، وتتمثّل في أنه يجب التّعامل بفطنة مع الأوضاع، من خلال تفريق المتمرّدين والسّكان المغاربة المجاورين ومعالجة الأمور حالة بحالة، والعمل على كسب ثقة أعراش وقبائل المنطقة.

كما أنه في هذه البقعة المعزولة التي تعتمد أساسًا على الرّعي، يجب إغراء البدو الرحّل بإنشاء أسواق موسمية ثابتة، مزوّدة بالحبوب، بحيث لا يمكن إلا لأولئك الذين يعترفون بالسيادة الفرنسية، أو للمغاربة الذين يوقّعون معاهدة حسن الجوار، أن يحصلوا على تموينهم منها، وأن يبتاعوا ماشيتهم.

كما يجب عزل الأعداء، ومكافأة الأصدقاء، ولعله المبدأ الأساس للاستراتيجية الفرنسية، وذلك لجرّ «الأعداء» تدريجيًا إلى دائرة المجاعة، ولضمان معيشة الأصدقاء في ازدهار.

ولعل من أشهر «الإنجازات» السّياسية للجنرال ليوتي هو الاجتماع الذي عقده في جانفي 1904، مع قادة القبائل الرّحل الأساسية للمنطقة الحدودية – خاصة العمور وحميان- وأيضا مع قادة القبائل المغربية المجاورة خاصة قبيلة بني ڤيل، من أجل تجسيد معاهدة سلام، وحرية المرور للأشخاص والممتلكات.

في تلك الأثناء جاءت لمنطقة العين الصفراء، الصّحافية إيزابيل إيبرهارت موفدة من طرف جريدة «الأخبار» التي كان يشرف عليها فيكتور باريكون، أين زارت جرحى معركة لمنقار في مستشفى العين الصّفراء، وهي المعركة التي هاجمت فيها المقاومة الشّعبية، موكبًا عسكريًا مهمًا للجيش الفرنسي، وقد أسفر الهجوم عن مقتل 36 شخصا، وجرح 47 آخرين، حسب إحصاءات السلطات العسكرية الفرنسية آنذاك. لتشرع إيزابيل في استجواب الجرحى، والكتابة عن الأحداث في الصّحيفة ذاتها، فليس غريبًا أن تعتبرها الكاتبة الفرنسية إدمون شارل رو، أوّل امرأة مراسلة حرب في العالم.

إدمون شارل رو

توجّهت إيزابيل مباشرة إلى المستشفى لمقابلة الجرحى وجمع معلومات حول معركة المنڤار، حيث كتبت: «جرحى المنڤار تاهوا في الظلّ، بضمادات من القماش الأبيض، كان هناك فرنسيان أو ثلاثة من بين هؤلاء الأجانب.. الباقي من الألمان أو الإيطاليين، يبدون فخورين باستجوابهم.. في المساء السّاعة الثامنة، اضطهاد كبير في العين الصّفراء.. ليس هناك مدني واحد في الشّارع، صمت ثقيل، تقريبا هناك انطباع بأن المدينة في خطر.. نتوقّع خطر الاستيقاظ صباح الغد على وقع قطع السّكة الحديدية والتلغراف.. هذا المساء في العين الصّفراء تقريبًا الفزع، كل ذلك لأن هناك دورية تعرّضت للهجوم على بعد 20 كلم من هنا.. علاوة على ذلك تمّت الإشارة إلى مرور جيش قرب محطة القطار بمكاليس».

إلى جانب ذلك، حضرت إيزابيل اجتماع ليوتي مع قبائل المنطقة الرّحل، أين كتبت مقالا نشر في «لاديبيش الجيريان» تقول فيه: «بأبّهة، وبهيئة حقيقة جميلة، جاء ميعاد «بني ڤيل» اليوم، لإنهاء خمسة أيّام طويلة من المفاوضات مع الجنرال ليوتي.. كانوا خمسة شيوخ، والقائد الكبير عبد الرحمن، الذين أعلنوا هذا المساء أنهم موافقون على الشّروط التي وضعت لهم.. بأن يقوموا أولاً بإرجاع أراضي رعيهم القديمة، المشتركة مع أراضي حميان.. وأن يبذلوا ما في وسعهم للإتيان بالمنشقين منهم وأخيرًا بالتّخلي حقيقة، وبوضوح عن بوعمامة…»

الجنرال ليوتي هو الذي أمر بالبحث عنها تحت أنقاض منزل إيزابيل إيبرهارت المنهار بسبب فيضان وادي العين الصّفراء في أكتوبر 1904، كما سعى إلى إنقاذ مخطوطاتها من الضّياع. والتي أشرف فيكتور باريكون على تحقيقها وجمعها فيما بعد، وهكذا كتب ليوتي قائلا: «لقد كانت تمثّل أكثر ما يجذبني في العالم، لقد كانت ثائرة متمرّدة. وكم هو رائع أن يجد المرء إنساناً صادقًا مع نفسه، إلى هذه الدّرجة، بعيداً عن أي أحكام مسبقة، وعن أي تبعية لأحد وعن كل مقولة سائدة.. إنسانًا يمضي في الحياة بقدر من الحرية، التي يملكها طائر يحلق في الفضاء، يا لها من متعة..».

ترجمة: ب. عميّر

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

ريلكه

أن تقرأ ريلكه بالعربية

محمد الصّالح قارف مرّت عشر سنوات على ترجمة كاظم جهاد لأهم الآثار الشّعرية لراينر ماريا …

الرواية الجزائرية تتألق في الجائزة العالمية للرواية العربية

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية هذا الثلاثاء، عن الروايات المرشّحة للقائمة الطويلة بدورتها للعام 2020، …