الأربعاء، 26 فبراير 2020

بعد تزييف العلوم الاجتماعية.. من يحرّر المثقّف؟

بن ساعد قلولي

السوسيولوجي علي الكنز

لم يعد ممكنًا انتظار معجزة من نخب هشّة منقسمة على نفسها، لم تستطع، لحدّ الآن، أن تتّفق على الحدّ الأدنى، الذي يُمكّنها من أن تكون قوة رمزية فاعلة.

قوة تستمع لها السّلطة وتأخذ بآرائها، وتعود إليها لجسّ نبض الشارع والمجتمع الذي تدعي أنها تمثّله وتنوب عنه في التفكير في المسائل والقضايا الثقافية والاجتماعية والتاريخية، خصوصا بعد الفراغ الذي عرفه الفضاء الثّقافي والاجتماعي والسّياسي في جزائر الديمقراطية والتعددية، ولو في شكلها الواجهاتي منذ تشتّت ما كان يسمى بالمدرسة السوسيولوجية الجزائرية، بفعل الهجرة إلى دول عربية وأخرى غربية أو الموت.

هذه المدرسة التي مثّلها علي الكنز وعمار بلحسن وهواري عدي وجيلالي اليابس ومحمد بوخبزة وعبد القادر جغلول، تكوّنت وتشكّل مسارها الفكري والمعرفي في أفق اليسار الجامعي الجزائري، مع عدم انبثاق نخبة أخرى بديلة عنها تستلم منها المشعل وتواصل المسيرة.

يحدث كلّ هذا في ظلّ استحداث ما أصبح يسمّى في قسم العلوم الاجتماعية بعلم الاجتماع الديني لتزييف حقل العلوم الاجتماعية: المصدر الأساسي لفهم الحراك الاجتماعي الشعبي والانتباه لدبيب وانصهار المثقف النقدي في قلب وهموم الطبقات الاجتماعية خاصة منها الفقيرة أو المتوسّطة الدخل علما أن إفرازات العلوم الاجتماعية هي كلّها افرازات ماركسية ولا علاقة للرؤية الدينية بها.

تاريخ الشعوب – مثلما يقول ماركس – هو تاريخ الطّبقات والصّراع الدّائر بينها. من هنا يتبين الهدف الذي من أجله لجأت السّلطة إلى استحداث ما يسمى بعلم الاجتماع الديني في الجامعة الجزائرية لإفراغ العلوم الاجتماعية من جدواها وفاعليتها وثوريتها في تماسها مع صيرورة المجتمع وتحولاته المفصلية على الأصعدة الإجتماعية والمهنية والسياسية وتحوّل المثقف النّقدي إلى مجرد موظّف يؤدي خدمة مهنية.

هذا ما يؤكده الواقع وقد سبق للسوسيولوجي الجزائري عبد القادر جغلول أن نبّه لعدم وجود إنتلجانسيا أو نخبة مثقّفة بالمعنى الصحيح وكل ماهو موجود في نظره «مجرد سديم ضبابي يتشكّل من مجموعة من الأفراد بدون أي نسيج فكري أو ثقافي يربط بينهم». وبالتالي خلو الجزائر من «مثقفين عضويين» بالمعنى الغرمشوي للكلمة نسبة إلى أنطونيو غرمشي المفكر الماركسي الذي أعدمته الفاشية الإيطالية التي مثّل لها غرامشي إزعاجا كبيرا وهو الذي كان يهدف من وراء نحته لمفهوم «المثقف العضوي» على ما يرى المفكرالفلسطيني البارز أدوارد سعيد في كتابه «الآلهة التي تفشل دائما» إلى بناء ليس فقط حركة اجتماعية بل تشكيلة ثقافية مرتبطة بهذه الحركة.

وعليه ليس غريبا أبدا أن يستشرف مفكر بارز بحجم علي حرب في كتابه الشهير «أوهام النخبة أو نقد المثقف العربي» ما سماه «نهاية المثقف»، بعد أن لاحظ عدم جدوى أي دور للمثقف وفشله الذريع في أداء الرسالة التي يتوهّم أنه حاملا لها لتنوير الجماهير والنيابة عنهم في التفكير والتدبر.. يستوي في ذلك عنده الإسلاميون والعلمانيون واليساريون والقوميون وغيرهم والدليل على ذلك أن ما يعرف بثورات «الربيع العربي» بصرف النظر عن القوى التي كانت تقف وراءها وبعض آثارها السلبية وموقف البعض منها أشعل شرارتها الأولى صاحب عربة لبيع الخضر والفواكه هو «البوعزيزي» وليس أركون ولا الجابري ولا إدوارد سعيد ولا الخطيبي ولا نصر حامد أبوزيد وهم الذين غادروا الحياة قبل أن يتفاجأوا بها على ما يستنتج ذلك الروائي الخير شوار في مقال صحفي كان قد كتبه منذ سنوات، فكل هؤلاء لم يستطيعوا إحداث ثغرة في بنية المجتمع العربي بالرغم من الأهمية الكبيرة لمشاريعهم الفكرية في جانبها التحرري من الوعي العربي القائم.

أنطونيو غرامشي

لذلك يدعو علي حرب إلى محاولة التخلص من «أوهام النخبة» لإرتباطها بالنهاية الحتمية للمثقّف الأمر الذي جعل علي حرب يتعرّض لحملة إدانة واسعة وبعض ردود الأفعال المجانية والمتنشنجة، فهناك من اعتبره نوع من الإستسلام والخضوع وتراجعا عن الدور المنوط بالمثقف فيما هو شكل من أشكال «النقد الذاتي» الذي لا يزال المثقف العربي بعيدا عنه ويتهيب من طرحه لأنه يطال الذات العربية التي كان يرى محمد الجابري أنها على الصعيد النفسي «لاتقبل النقد إلا في صورة مدح أو هجاء».

لقد كان صعبا على المثقف العربي المستسلم لثقافة الوثوق الأعمى وللأوهام التي عششت في ذهنه ومخياله بسبب بعده واغترابه عن روح وجوهر«النقد الذاتي» وإعتباره ذاته بعيدة عن نقد الأنا إن لم يكن يرى نفسه فوق النقد وفوق التاريخ أن يقبل بنوع من التفكيك والمساءلة الصادمة «لوعيه الشقي» والوعي الشقي كما يحدده عالم النفس الشهير جان بياجيه «هو الوعي القائم في بحر الإزدواجية والتناقض»، والحقيقة أن لا أحد منا في إمكانه المزايدة على الآخر رغم بعض التباينات الطفيفة، فنحن لازلنا نعيش على هامش الواقع العربي وعلى هامش نبض الشارع العربي نلوك مفاهيما لا تطعم من جوع ولا تمنح هامشا ولو ضئيلا من الحرية والممارسة الديمقراطية لشعوبنا ولعناصرها الثورية والحية، بما تتطوى عليه بنيتها على صعيد اللغة ومضمراتها والتداول الساذج للقضايا الزائفة التي ينافح عنها البعض منا وله فيها مآرب، خاصة قضايا الديمقراطية والحرية في معناها الشعاراتي ووهم المفاهيم البراقة والأسئلة الزائفة والمغلوطة المفرغة من وهجها وجدواها لتصير مجرد ملفوظات للعرض والطلب بعد أن يتم تجريدها من جوهرها وفاعليتها لتفقد بذلك الديمقراطية وسائر مفاهيم الحرية والانعتاق مدلولها الأوسع وسبلها المنسبية أو «اللامفكر فيها» حتى تصير مجرد علامات فاقدة لمعناها وثوقية تركز على الأحادية الأقرب إلى الممارسات الفاشية.

إننا أحيانا نكتشف ولو على مضض أننا لا زلنا لم نتعدى بعد إطار البنية القبلية باتجاه التبعية للحاكم وإعتباره كالقدر والموت والبعث والنشور علينا أن نخشى هيمنته وسحره وجبروته باتجاه حالة يطلق عليها علماء النفس حالة «التكيّف السيكولوجي الجمعي والفردي» مما أجل عوامل الدفع الكامنة في الذاكرة الجمعية العربية وفي المخيال العربي إلى ما كانت تشعر به الجماهير العربية دون أن تتجرأ على الجهر به أو الإعلان عنه لولا حادثة محمد البوعزيزي التي أحدثت رجّة في الشارع العربي تحررت على إثرها الفئات الاجتماعية وأخذت على عاتقها خوض مهمّة النضال الاجتماعي ومع ذلك لا يبدوا أننا أجبنا عن السؤال الأهم وهو: من يحرر المثقّف..؟

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

حراك: صحوة البركان الجزائري

حراك: صحوة البركان الجزائري

مئة سجين رأي لخفض وهج المواكب، تحاول السلطة منذ الصائفة منع سكان باقي المناطق من …

التّصوير العاري في الجزائر.. الجسد فنون

التّصوير العاري في الجزائر.. الجسد فنون

كريمة.أ.نواصر جيل جديد من الفنّانين عايش عشرية الذبح في تسعينيات القرن الماضي يُحاول ترميم ملامح …