الخميس، 27 فبراير 2020

قازوزة.. لفهم تطور اللغة

رشيد فيلالي

هناك عناوين لكتب تبدو صحيحة في الظّاهر، لكننا عندما نضعها في غربال النّقد الدّقيق نكتشف بأنها غامضة ومبهمة وحتى غير صحيحة.

على سبيل المثال، صدرت حتى الآن المئات وربما الآلاف من الكتب التي تحمل عناوين من قبيل «التطوّر الدلالي في اللغة العربية»، دون توضيح معنى كلمة تطور هذه في العنوان.

كلمة تعني منطقيًا، وفي الغالب، الانتقال من طور إلى طور أحسن، وهذا ما نلحظه في العبارة الشائعة «المجتمعات المتطوّرة» أو تطور وارتقاء، ومن هنا يحقّ لنا التّساؤل في هذا السّياق: هل واضعو هذا النوع من العناوين لم ينتبهوا لفحوى هذه الكلمة في الوقت الذي نجد أن ما يقصدونه من خلال مضامين كتبهم يعني بالتحديد «التحوّل الدّلالي» وليس شيئا آخر؟

على اعتبار أن كلمة تطور تعني بأن الكلمة كانت تعني في السابق شيئًا أقل قيمة مما صارت تعنيه الآن، وهذا غير صحيح وغير معقول. وربما قد نجد عكس ذلك تماما.

ولنقدم أمثلة توضيحية وعملية حول ما نقصده من كلامنا. في العادة تذكر كتب تطور الألفاظ العربية ويمكن أخذ أي واحد منها عشوائيا على أن عبارة «طول اليد» كانت تعني قديما الكرم والجود والإحسان واليوم باتت تعني ببساطة.. السّرقة!

ويمكن أيضا أن نجد الملاحظة ذاتها حول كلمات مثل الحريم والحرم، التي كانت تعني كل ما هو محرّم، وهي اليوم توصف بها على التوالي النساء و.. البقاع المقدّسة(الحرم المكي)!وكلمة «تبغدد» التي نستعملها في الدارجة الجزائرية كانت تعني في اللغة العربية انتسب إلى بغداد وصار أنيقا، غير أنها في دارجتنا العامية صارت تعني أغاظ الآخر وتدلّل عليه، وكلمة «الحاجب» كانت تطلق في لغة أهل الأندلس على «رئيس الوزراء» وصارت اليوم تعني «الخادم» و«البواب».

في العادة، نطلق في الجزائر على حزب جبهة التحرير الوطني وصف الحزب «العتيد» بمعنى القديم الذي يملك رصيدا تاريخيا، غير أن المعنى الأول والأصلي لهذه الكلمة هو «الجديد» والحديث! فهل نقول بأن كل هذه الكلمات على اختلافها وتباينها تطوّرت دلاليا أي صارت دلالتها أحسن مما كانت عليه في السّابق؟ أبدًا وهو تفسير وتحليل غير علمي إطلاقا..

وتجدر الإشارة أن الكتب الأجنبية في الاختصاص ذاته لا تقع في هذا الخطأ المنهجي، بحيث أننا نلمس هذه الحقيقة في اللغات الأجنبية، حيث يرتكز الحديث على مفهوم التحوّل الذي لا علاقة له بمفهوم التطوّر، كون هناك الكثير من الكلمات نجدها انتقلت دلاليا من الإيجابي إلى السّلبي وقد يحدث العكس أيضا، مثلا الكلمة  الإنجليزية«poison»، كانت تعني قديما الجرعة من أي دواء أو سائل غير أنها اليوم تعني «السمّ» وكلمة«pill» كانت تعني قرص الدواء (أي نوع من دواء)  لكنها اليوم في الولايات المتحدة وكندا تعني حبوب منع الحمل، وكلمة«arrive»الإنجليزية كانت تعني الوصول إلى شاطئ النهر لكنها اليوم تعني الوصول إلى أي مكان..

وكما نلاحظ ثمة تغيّر في دلالة الكلمة بدون إضافة أي حكم قيمة عليه سلبًا أو إيجابًا، وقد تنتقل هذه الكلمة إلى لغات أخرى سواء بنفس الدلالة أو تتلبس مدلولا آخر مغايرا أو تثبت على أصلها الأول، والطّريف في الموضوع أنني خلال بحثي حول أصول بعض الكلمات العامية الجزائرية، وجدت أن كلمة «قازوزة» التي تعني المشروبات المعروفة، أصلها إيطالي واعتقدت في أول وهلة بأنها مشتقة من الكلمة الفرنسية«Une boisson gazeuse»أي ليمونادة، لكن تبيّن لي في الأخير بأن الكلمة عربية من أصل فارسي، وهي قديمة جدًا، حيث نقرأ في لسان العرب هذا المقطع الغريب في شرح كلمة قزز: «وفي حديث ابن سلام قال: قال موسى لجبريل، عليهما وعلى نبينا الصّلاة والسّلام: هل ينام ربك؟ فقال الله تعالى: قل له فليأْخذ قازوزَتَيْنِ أَو قارُورَتَيْنِ وليَقُمْ على الجبل من أَوّل الليل حتى يصبح»..

سبحان الله العظيم، لكأن هذا الحديث الشّهير وقع اليوم وبلغة أهل عصرنا وخاصّة رطانة شبابنا ومراهقينا ومن يكذِّب ذلك ما عليه سوى العودة إلى لسان العرب ويقرأ كما قلت شرح كلمة «قزز» ليتأكّد من الأمر.. فتأمل!!

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …