الأربعاء، 26 يناير 2022

فيلم فاطمة أو عندما تُنصف السّينما الفرنسية المرأة المغاربية البسيطة

افيش فيلم فاطمة

لم يكن المخرج الفرنسي فيليب فوكون يتصوّر، وهو يسند دور البطولة لامرأة جزائرية بسيطة، لا تحسن اللغة الفرنسية، أو تتكلمها قليلا بلكنة جزائرية، إضافة إلى كونها متحجبة، لفيلمه الذي يحمل عنوان «فاطمة» (2015)، أنه سيحصد أهم الجوائز السينمائية في فرنسا وينال استحسان النقاد. ثريا زروال امرأة جزائرية بسيطة (من مواليد باتنة) انتقلت مضطرة إلى فرنسا، لتشتغل منظفة (مثل دورها في الفيلم).

وهكذا، على سبيل المصادفة، عرض عليها المخرج الفرنسي الدور، ترددت، ثم وافقت، لتفاجئ الجميع بنيلها جائزة سيزار لأحسن ممثلة، متفوّقة على بعض كبار الممثلات الفرنسيات، ويحصد من ورائها الفيلم كبرى الجوائز. الفيلم كان منصفا، وموضوعيا جدا، في طرحه، يمنح صورة رائعة لكثير من المهاجرين المغاربيين، في بساطتهم، في سماحة أخلاقهم، في بحثهم عن لقمة العيش، في معاناتهم، وفي محاولة يائسة لتجنّب بعض نظرات العداء لهم…

ثريا زروال

تماما مثل حياة ثريا زروال، انتقلت إلى فرنسا واشتغلت –ولا تزال- منظفة في أحد المعامل الفرنسية، في الفيلم تعيش فاطمة بعد طلاقها، مع ابنتيها نسرين، وسعاد، الأولى طالبة في الطب، وابنتها الثانية فتاة مراهقة متمرّدة، تبدو متأثرة ببعض أجواء التحرّر الفرنسية، تضطر الأم إلى الاشتغال كعاملة تنظيف، لمحاولة ضمان تأمين العيش لابنتيها.

وهنا تطرح بحدة إشكالية التواصل بين الأم وابنتيها، ففاطمة الأم لا تعرف الفرنسية، وبالمقابل لا تفهم البنتان شيئا من اللغة العربية، الإشكالية الأخرى التي تناولها الفيلم: عمل الأم كمنظفة، والتي تشعر في لحظة مرارة وحزن، تذمرهما منها. من خلال الفيلم تحاول فاطمة، جاهدة، تجاوز صعوبات الحياة تلك، تشعر في قرارة نفسها بمعاناة ابنتيها، ومعاناتها معهما، وهكذا تحاول في حدود إمكانياتها المادية والمعنوية، البحث عن حلول التفاهم مع ابنتيها والتواصل مع المجتمع، تستغل الوقت القصير جدا لديها، وتسعى لتعلم اللغة الفرنسية، ولكن هذا لا يكفي ! ثمة شيء ملح، يجول في خاطرها، الرغبة في البوح، في قول الكثير من الأشياء لابنتيها، كأم وكامرأة، تحرص على مستقبلهما. وهكذا تلجأ الى اللغة العربية، تمسك دفترا مدرسيا، وتشرع في كتابة يومياتها بالعربية، تحكي همومها ومواجعها، وأمنياتها البسيطة كأم تسعى بما أوتيت من جهد، لتحقيق مستقبل سعيد لبناتها، وهن يكبرن كنساء يعشن في حضن مجتمع لا يرحم.

أهم ما يُستنتج من هذا الفيلم الممتع بقصته، والهادف جدا بمعالجته : أن المخرج الفرنسي راهن على وجه جديد، مناسب لموضوع الفيلم، لا علاقة له بالسينما، ونجح في رهانه!   وهو يعتبر –بالتالي- درسا جديرا بالتمعن، للمبدعين الحقيقيين، في مختلف مجالات الأدب والفن، من أجل الرهان على الصدق أساسا في انجاز أعمالهم، مهما كانت المعطيات، ومهما كانت النتائج، ولعله مفتاح سر النجاح، في كل عمل إبداعي.

من جهة ثانية، الفيلم هو بشكل من الأشكال محاولة للفت انتباه الفرنسيين والعالم، لعاملات النظافة (femmes de ménage)، في عملهن الشاق والمتعب، في صمتهن، وفي نظرتهن البسيطة للأشياء والحياة.

فيلم «فاطمة»، فيلم يستحق حقا المشاهدة.

Enregistrer

Enregistrer

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آرثر رامبو : المثلية ظاهرة شعرية

بثينة سرمدة   الشاعر الفرنسي المعروف آرثر رامبو (1854 – 1891) لم يكن مثليا, كتب الكثير …

هادي يحمد

هادي يحمد: لا يمكن تأسيس ديمقراطيّة دون العلمانيّة

حاوره: العائش تركي اشتهر هادي يحمد بكتابه “كُنت في الرّقة.. هارب من الدّولة الإسلامية” وصدر …