الأربعاء، 26 فبراير 2020

هؤلاء هم أنصار العامية.. وهذه هي دوافعهم!

رشيد فيلالي

في الحقيقة، أنا لست مجبرًا على القول بأن المدافعين الشرسين على العامية الجزائرية، هم ثلاثة أصناف معروفة التوجهات الإيديولوجية، بدون تعميم طبعا:

–       البربريزم

–       الفرانكوفونيون

–       الشيوعيون

البربريزم.. والصّيد في المياه الملوّثة

دعاة البربرية، في الحقيقة، يمكن تفهّم نسبيا أطروحاتهم،  بالنظر إلى جملة من الأسباب الموضوعية التي تقف في مقدمتها الظّلم الكبير، الذي تعرّض له سكان القبائل(الأمازيغ)، على امتداد التّاريخ،علمًا بأن الفتوحات العربية عرفت بعض التجاوزات والأخطاء من طرف عدد من الفاتحين والقادة العرب القادمين من المشرق.

وهذا ما ترك جرحًا غائرًا لم يندمل بعد، وقد لعب على وتره الاستعمار الفرنسي ونجح في ذلك إلى حدّ بعيد.

مع ذلك، فإن اللغة الأمازيغية تحتوي على ما لا يقل عن 80 في المائة من الكلمات العربية، شأنها في ذلك شأن الكثير من اللغات العالمية(مثلا: الفرنسية 2500 كلمة، الإسبانية 5500 كلمة، الأوردو الباكستانية 50 في المائة من كلماتها عربية، والتركية 6465 كلمة، والفارسية 70 في المائة، إلخ).

وهذا ما دفع بباحث فرنسي واسمه كريستيان لوشون(Christian Lochon)لعنونة دراسة مطوّلة له بعنوان: «Arabe, langue d’Europe depuis des siècles» (العربية لغة أوروبا منذ قرون).

كما ذهب أحد الباحثين الغربيين أيضا إلى حدّ القول بأن كلمة أوروبا نفسها عربية:«عوروبا». ومعروف بأن في الميثولوجيا اليونانية أن أوروبا هي أميرة فينيقية، ابنة ملك صور اللبنانية، خطفها الإله زيوس، كبير آلهة الإغريق، بعد أن تنكّر في شكل ثور، وقد أطلق بعدها اسم هذه الأميرة على مملكته الواسعة.

الأمازيغية تحتوي على ما لا يقل عن 80 في المائة من الكلمات العربية

الفرانكفونية والاستعمار الجديد

أما الفرانكفونيون، وفيهم نسبة كبيرة من المنضوين تحت لواء الحركة البربرية، فإن أطروحاتهم لا تملك أدنى حظّ من المنطق والموضوعية، لجملة من الأسباب أيضا، على اعتبار أن هؤلاء محفّزون من طرف السّلطات الفرنسية التي تدعمهم بقوة من منطلق «فرّق تسد».

يحدث هذا في الوقت الذي نجد أن هذه السلطات تكيل بمكيالين. فهي تفعل المستحيل بهدف قمع 75 لغة تنشط على أراضيها، حتى ولو كان ذلك من باب الحفاظ على التراث الثقافي والهوية الفرنسية، ويمكن الإطلاع في هذا الخصوص للتوسّع وأخذ نظرة شاملة حول الموضوع على التقرير الممتاز والدقيق الذي أعده في هذا الصدد الأستاذ بيرنار سيركيليني(Bernard Cerquiglini)، مدير المعهد الوطني للغة الفرنسية في (C.N.R.S) والذي يح مل عنوان «لغات فرنسا»، وقد أرسله إلى وزيري التربية والثقافة الفرنسيين.. ولم يلق أيّ صدى، كون فرنسا إلى غاية الآن لم تُصالدق على تقرير الاتّحاد الأوروبي حول حماية اللغات في القارة العجوز

في المقابل، تشجّع السلطات الفرنسية الدّفاع عن الأمازيغية وعن العامية وتزعم بأن ذلك لأسباب إنسانية وحضارية وثقافية؟ والطّريف في الأمر أن مدافعًا عن اللغة الأمازيغية و التنوع الثقافي مثل الفيلسوف الفرنسي آلان فنكلكروت(Alain Finkielkraut)، وصف اللغة الباسكية بأنها ليست لغة، ولا آداب ولا شعر لها، فيما العكس هو الصحيح تمامًا، وطبعًا يبدو بجلاء نفاق هذا الفيلسوف وازدواجية معاييره لدواع مصلحاتية محضة!

أحب هنا لفت الانتباه إلى التقرير الهامّ جدًا الذي نشره الاتحاد الأوروبي تحت عنوان:«التّنوع اللغوي في التعليم متعدّد اللغات:
دليل لتطوير سياسات تعليم اللغة في أوروبا». وهو موجود في الإنترنيت باللغتين الفرنسية والإنجليزية، والذي نستخلص منه حقيقة صادمة وهي أن السياسات المتّبعة من طرف الدول الأوروبية قاطبة في مجال التعليم بمختلف اللغات تتجه رأسا إلى «الأحادية اللغوية» وليس إلى التعدد اللغوي، مثلما ينافق الجميع.

يحدث هذا رغم ترسانة القوانين التي تدعو إلى حماية اللغات الجهوية والمهمّشة وخاصّة تلك المهددة بالانقراض.

آلان فنكلكروت

أجدادنا العرب!

على الصّعيد ذاته، أحبّ أن أستطرد قليلا هنا من باب تنوير القارئ فقط ببعض المعلومات الجديرة بالإشارة ضمن هذا السّياق، إذ لا يغرب عن البال أن الفرنسيين عبر الفرانكوفونيين عندنا يصدّرون لنا أمراضهم ومشاكلهم في اللغة والهوية وغيرهما، تمامًا مثلما صدّروا لنا في القرن التاسع عشر أوبئة الطاعون والسيفلس وتسبّبوا في هلاك آلاف من الجزائريين..

وطبعا، نحن عادة لا ننتبه إلى أن الفرنسيين الذين يدافعون عن هويتهم اللاتينية ينسون بأن السّكان الأصليين لفرنسا هم «السلتيون» وليس «اللاتين»، ثم يضحكون على شعبهم بترديد المقولة المعروفة: «أجدادنا الغاليون: Nos ancêtres les gaulois».

والطريف أن أحد الباحثين الفرنسيين، وبالنظر إلى مدى تأثر اللغات الأوروبية باللغة العربية، نشر بحثا مطوّلا حمل عنوان له دلالته العميقة وهو:«Nos ancêtres les Arabes». واسم الباحث: إكزافي لوفان (Xavier Luffin).. ويمكن الإطلاع على بحثه في الإنترنيت..

مع التّذكير لمن ينسى أو يتناسى لا فرق، أن اللغة الفرنسية الحديثة التي تستعمل ما بين 71 إلى 200 كلمة غالية (Gaulois)فحسب، يصل عدد الكلمات العربية المستعملة فيها اليوم إلى 2500 كلمة.. والعربية تأتي من حيث التأثير في اللغة الفرنسية في المرتبة الثالثة بعد الإنجليزية والإيطالية مباشرة.

حزب فرنسا.. الأمريكي!

المثير في القضية أن الفرانكفونيين كما لا يخفى يحاربون بجنون مرضي اللغة العربية الفصحى في الجزائر، ولا يتورّعون بالقول أنها لغة غازية وأجنبية في شمال إفريقيا، لكنهم في الوقت ذاته يدافعون عن الفرنسية بحمية هستيرية لكونها حسب تعبيرهم: لغة الانفتاح على العالم وهي تحمل القيم الإنسانية ووسيلتنا لكسب العلوم ومواكبة العصر.

هذا الكلام فيه مثلما هو واضح مغالطات لا حصر لها وهي أطروحات متهافتة وسطحية إن لم أقل شيئًا آخر، إذ كيف نصدّق بأن الفرنسية هي لغة العلوم والتكنولوجية في الوقت الذي يهرول الفرنسيون أنفسهم لتعلّم اللغة الإنجليزية ولاسيما الإنجليزية الأمريكية، ويتخلّون طواعية عن استعمال لغتهم الأصلية.

أضف إلى أن الدراسات العليا تكاد يقتصر التدريس فيها باللغة الإنجليزية وليس هذا فقط، حيث كثيرًا ما نصادف مواقف لمسؤولين فرنسيين ممسوخي الهوية على غرار رئيس البنك المركزي الأوروبي جون كلود تريشي(Jean-Claude Trichet) الذي ألقى عند تعيينه على رأس هذه الهيئة المالية خطابا بالإنجليزية، بدأه بهذه العبارة الاستفزازية: «أنا لست فرنسيا.. I’m not a frenchman». وقد أثار بذلك موجة عارمة من الغضب في بلاده، ولا ينبغي أن نتعجّب من ذلك، فالطبقة الفرنسية الحاكمة كلّها صارت منذ الأربعينيات رهينة كلية للسياسة الأمريكية التي تعيّن الرؤساء والوزراء والمسيّرين في المناصب العليا والحساسة مباشرة من البيت الأبيض، وذلك تحت غطاء جمعية «فرانش أميركان فونديشن FAF» وجمعية «لو سياكل Le Siècle».

هذان الجمعيتان هما اللتان اختارتا ساركوزي وهولاند ومانويل فالس ورشيدة داتي وجون كلود تريشي وغيرهم من المسؤولين الذين هم أصلا أعضاء نشطين بهما، ويخدمون المصالح الأمريكية في أوروبا بإخلاص وتفان ولو على حساب قيّم بلادهما!

ويمكن إضافة إلى هذا كلّه قضية السّقوط في أحضان الفرانكوفونية التي اعتبرها المؤرخ الفرنسي إيف برسون(Yves Person) منظّمة مشبوهة وشكلا من أشكال الاستعمار الجديد ..

بيرنار سيركيليني

الشيوعيون والمهمة القذرة

نأتي الآن للعنصر الثالث وهم الشيوعيون، فإن هدف هؤلاء من الدفاع عن العامية الجزائرية واضح ومضحك في الوقت ذاته، إذ أنهم ينظرون إلى اللغة العربية على أساس أنها «لغة الطبقة الأرستقراطية» وليست لغة الشّعب(مع أن الفرنسية هي التي ينبغي نعتها بهذا الوصف بنظرة أقرب إلى الواقع والحقيقة)، وعليه يرى أتباع هذا التيار الإيديولوجي أنه ينبغي محاربتها وإحلال العامية بدلها بكل السبل المتاحة! وهذا تعليل كاريكاتيري سفيه، لكنه مع ذلك لعب دورا خطيرا في المجتمعات العربية وتسبّب أصحابه في الكثير من الكوارث والدمار الثقافي، سنترك مجال التفصيل فيه لمناسبة أخرى.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …