الأحد، 16 يونيو 2019

العامية الجزائرية.. خردة لغوية لا وجود لها!

رشيد فيلالي

نظّمت جمعية «نَبْني» الجزائرية العام الماضي، يومًا دراسيًا حول موضوع: «ما هي لغة الجزائريين عام 2030».

وعرف هذا اللقاء تدخّلات من أساتذة وطلبة وعدد من المثقفين والمهتمّين الحاضرين ضمن هذا اليوم الدراسي.

ومن بين الأساتذة المشاركين الذين قدّموا مداخلة حول الموضوع، الدكتورة الباحثة في اللسانيات خولة طالب الإبراهيمي(المتمرّدة على مبادئ أستاذها اللغوي العلامة عبد الرّحمن حاج صالح!) والدكتور المختصّ في الأدب الشّعبي عبد الحميد بورايو(الذي كانت آراؤه صراحة أكثر اعتدالا ورزانة) وآخرون..

طبعًا، الخلاصة التي خرج بها المتتبّع لتلك المداخلات جميعا هي أن اللغة التي سوف يتحدّث بها الجزائريون عام 2030 هي.. العامية الجزائرية!!

العامية الجزائرية تهدد اللغة الإنجليزية!

السّؤال الذي يتبادر إلى الذّهن في مثل هذا المقام هو: هل فعلا هناك عامية جزائرية تصلح لكي تكون لغة قائمة بذاتها، في مقدورها أن تواكب المسيرة الحضارية التي تعرفها الإنسانية، وهي مسيرة سريعة وذات ريتم قوي يكاد يعصف حتى بأكثر اللغات تقدمًا،على غرار الفرنسية والألمانية والروسية والإسبانية؟

في اعتقادي أن من يقول بصحّة هذا الكلام وموضوعيته إما أنّه منقطع عن العالم الخارجي وهو بالتّالي يُعاني من مرض الوهم، وإما أنّه شخص متطرّف يريد أن يفرض رؤيته على الواقع بالقوة والتّعنت وهو بالتّالي مثل ناطح الصّخر إلى أن يهشم رأسه وعندها قد يستفيق ويعود إلى وعيه المسلوب..

«الخردة» اللغوية!

لكن، ما هو دليلنا على صحّة هذه النتيجة؟

في الواقع هناك أدلّة علمية كثيرة جدًا، تؤكّد على أن الجزائري يكاد يكون حالة خاصّة ومتفرّدة من بين شعوب الأرض قاطبة، فهو يتكلّم لهجة تعتبر خليطا هجينا ومحيرًا من عدّة لغات مجتمعة ومختلفة ومشوّهة، الأمر الذي يجعلنا على دراية تامة بأن ما نسميه: العامية الجزائرية.. لا يمكن حتى أن نطلق عليه المصطلحات العلمية اللسانية المعروفة مثل: «السبير»(le sabir) أو «الكريول»(le créole)، وذلك باعتبار أن هذه العامية مزيجا عجيبا من لغات عديدة متباينة ولا تنتمي لنفس العائلة اللغوية الواحدة، كما أنها مهشمّة ومسحوقة وقبيحة كليّة من حيث النّطق. وقد راح بعض الباحثين ينظّرون و يضعون القواعد والمبادئ اللسانية المعروفة ويعصرون أذهانهم في تحاليل أكروباتية عقيمة..

غير أن هذا لا يمنع من تثمين أعمال لغوية قيمة الأثر والنتيجة، ولعل من بين أبرز الجهود العلمية المنصبّة حول رصيد العامية الجزائرية من الكلمات وأصولها والتي تستحق فعلا الاحترام ويشكر صاحبها بعد إنجازها، معجم الدكتور بن شنب المعنون بـ«الكلمات التركية والفارسية في اللهجة الجزائرية».

وقبل أن نتطرّق إلى محتوى هذا العمل اللغوي الرائد والممتاز أحبّ أن أشير في السّياق ذاته إلى دراسة أعدّها بروفيسور في الدراسات الشرقية من جامعة نمساوية: شتيفان بروتشاتسكا(Stephan Procházka) وتحمل عنوان: «الكلمات التركية في العربية المغربية». وهي تقريبا نفس ما توصّل إليه «حرفيًا» الدكتور بن شنب في معجمه المذكور، رغم أن البروفيسور بروتشاتسكا الذي لم يضف شيئا ذا بال أوضح في مقدمة دراسته بأن عالم اللسانيات الفرنسي  جورج كولان(Georges Colin) أثبت بأن ما توصل له الدكتور بن شنب لا يعتدّ به!

العامية الجزائرية.. خردة لغوية

العامية الجزائرية.. هل هي لهجة تركية؟!

المهم أن هناك آراء كثيرة تذهب إلى أن العامية الجزائرية تكاد تكون عبارة عن «لهجة تركية» بالنظر لما تضمّنته من عدد هائل ومعتبر من الكلمات «العثمانية»، حتى أن المتحدّث للعامية الجزائرية يحتار: هل هي فعلا  تحمل هذه الصّفة، أقصد «الجزائرية» وليست «التركية»!

وللتوضيح فقط نقدم هنا مجموعة كبيرة من هذه الكلمات التي ما زلنا نستعملها حتى الآن وهي غيض من فيض كما يقال، وقد استقيناها من معجم الدكتور بن شنب:

آلاجي(موسيقار)، بباس(عالم دين مسيحي)، بابوج، بازار، بالاك(ربما)، بالة، بالوزة، بشكير، بشماق، بقراج، بقشيش، بكوش، بلار، بن شراف(موسيقى)، بوراك، بوريون(سحلية) طرشاق، تقشيرة، بوط، بوقال، تربية(طعام)، تزدام، تلوة، جزوة، حلواجي، حمامجي، خرداجي، خيشة، دادة، درابزي، دربوكة، دوبارة، دوزان، دوش، دولمة، ديل (موسيقى)، رشتة، رصد(موسيقى)، زبنطوط، زرب، زردة، زرنة، زنجفوري، زنجاري، زنداني(موسيقى)، زوالي، زيدان(موسيقى)، زيزة، سباولو، سطرنبية(سطرمية)، سكارجي، شادي(القرد)، شاربات، شاش، شراشف، شوربة، شيرة(نوع من الكيف)، شيشة، صالة، صلاطة(شلاضة)، صايكة(نوع من الموسيقى)، طابونة، طابية، طاس، طاوة، طبلة، طرنبة(أنبوب الماء البلاستيكي)، طنجرة، الطبل(الأعرج)، طورشي، عطرشة، غايطة، فنطازية، فانوس، فرناق، فنار، فلوكة، فنجال، قازان، قاط(لباس أهل المدينة)، قانا، قداش، قاراقوز، قرباج (السوط)، قربي، قربيلة (كارابيلة)، قرقاف، قرمي(النبيل)، قسطبينة، قفطان، قمارجي، قهواجي، قوطي، كاسة، كامنجة، كفتة، كوفيرتة، لبلابي، ماينا، مرستان، مريول، مشطة، معدنوس، منقوشة، نانا(جدّة)، الناغرات، نني(نمْ! تُقال للصغار)، نيشان، هبز، هرقمة، وجاق، ياداس..إلخ..

كلّ هذه الكلمات التي لا نزال نستعملها في الشّرق الجزائري، وهي المنطقة التي كانت تسمى في عهد الحكم العثماني للجزائر ﺒ«بايلك الشّرق» وهو أكبر بايلكات الجزائر من حيث المساحة، حيث يمتد جغرافيا من الحدود التونسية شرقاً إلى بلاد القبائل أو الأمازيغ غرباً، ومن البحر الأبيض المتوسط شمالاً إلى الصحراء الكبرى جنوباً..

يعني أغلب الجزائريين يعرفون معنى ومدلول هذه الكلمات ويستعملونها في عاميتهم اليومية وكأنهم يتحدّثون لهجة تركية، كما قلنا وليس عامية من أصول عربية و أمازيغية، حدث ذلك على رغم كون اللغة التركية التي يحتوي معجمها المعاصر على 70000 كلمة يضم ما لا يقل عن 6465 كلمة من أصل عربي، وهي أكبر نسبة في هذه اللغة مقارنة بكلمات تنتمي للغات أخرى، مثل الفارسية والإنجليزية والفرنسية، إلخ.

بحث في فائدة اللغة «البونيقية»؟!

هناك دراسات مماثلة لعمل الدكتور بن شنب ذهب أصحابها إلى القول بأن العامية الجزائرية تحتوي على 50 بالمائة من الكلمات التي يعدّ أصلها «بونيقي» وصاحب هذا الرأي هو الدكتور عبدو الإمام من جامعة وهران.

الطّريف والمثير في هذا الطّرح هو أن سيادة البروفيسور لا نعرف كيف توصّل إلى هذه الإحصائية المثيرة. فهل يتقن اللغة البونيقية المنقرضة(التي هي خليط من الفينيقية والبربرية) وأحصى مفرداتها وعدد المداخل التي يحتوي عليه معجمها(معجم أكسفورد يضم 500 ألف مدخل مثلاً)، علما بأن القائمة التي قدّمها واستدل بها البروفيسور عبدو الإمام تقريبًا كلّها عربية محضة ومحوّرة نسبيًا من حيث النطق(عن طريق القلب والإبدال، إلخ)، وبعد ذلك يقول بأن البونيقية هي أصل الدارجة الجزائرية وليس العربية الفصحى؟

حدث ذلك مثلما فعل أحد أساتذة اللغة الفرنسية الجزائريين حين زعم في مقالة نشرت بجريدة «الوطن» الناطقة بالفرنسية أن حرف ق(الذي ينطق مثل حرف الجيم المصري) لا وجود له إلا في اللهجة الجزائرية، مما يبيّن – حسبه – بأنّها – أي اللهجة الجزائرية – لغة قائمة بذاتها؟ وهي بالتالي ليست عربية؟ وهذا الأستاذ المسكين يبدو أنه لا يفقه شيئًا في تاريخ اللهجات العربية ومن ثمّة فهو يهرف بما لا يعرف!

هناك بحوث علمية أخرى تندرج دائما في هذا السياق وهي كثيرة على كلّ حال، ومنها قاموس محمد نزيم عزيري الذي أوضح فيه بأن الدارجة الجزائرية تضمّ العديد من الكلمات الأجنبية وذكر منها 500 كلمة من أصل إسباني وإيطالي، وطبعًا هذا رقم كبير ومعتبر في «لغة» تستعمل في الحياة اليومية مالا يتعدى نسبة 2000 كلمة في أقصى الأحوال.

وإذا أضفنا إلى هذا الرقم الكلمات ذات الأصل الفرنسي وهي أيضًا كثيرة جدا والكلمات العربية التي تعدّ قاعدة أساسية للعامية الجزائرية، فماذا يا ترى يمكننا أن نسمي هذه «الخردة» اللغوية العجيبة الغريبة والفريدة من نوعها في العالم أجمع؟

والغريب في الأمر أن بعض «المجتهدين» في هذا الاتجاه أصدروا حتى الآن خمسة قواميس مزدوجة اللغة «عامية جزائرية – فرنسية»، كما أن هناك من ترجم رواية إكزوبيري «الأمير الصّغير» إلى العامية الجزائرية، ويوجد من أعدّ منهجية في تعليم العامية الجزائرية، تسمّى«منهجية كمال»!

الازدواجية اللغوية ظاهرة طبيعية

الازدواجية اللغوية ظاهرة لغوية عالمية

في اعتقادي أن الازدواجية اللغوية(la diglossia)، التي تعيشها البلدان العربية وهي ليست وحيدة في هذا المجال، تعود في الأصل إلى كون اللغة العربية بعد بلوغها أوّج العطاء والإبداع لمدّة قرون عديدة، عرفت فترة مظلمة من تاريخها دامت 400 سنة وهي مدّة الحكم العثماني تقريبًا في العالم العربي، الأمر الذي أدى إلى انحطاطها وتفسّخها على شكل لهجات جهوية مختلفة، وقد زادت الأميّة والاستعمار الذي فرض لغته بالقوة الوضع تدهورًا، مما أفضى في النّهاية إلى بروز ظاهرة الازدواجية اللغوية بشكل حادّ، مع كونها تعتبر كما قلت طبيعية جدًا وتعرفها كلّ اللغات العالمية تقريبا، كما يؤكد ذلك اللغوي المغربي الكبير عبد القادر الفاسي الفهري، الذي قال لي عنه العلامة الأمريكي الشهير نوام تشومسكي، إنه اللغوي الوحيد الذي قدّم مساهمات جادّة في اللسانيات الحديثة من العرب.

لكن، طبعًا بعد فترة النّهضة عادت الأمور إلى طبيعتها الأولى واسترجعت العربية، ولو بصعوبة كبيرة مكانتها المستحقة بين اللغات العالمية قاطبة، وهي الآن لسان أكثر من مليار نسمة واللغة الأم لأزيد من350 مليون من العرب.

مع التذكير أن مفهوم «اللغة الأم» يظلّ في جميع القواميس اللغوية تعريفه قاصرًا ومبهما ومائعا، فهو أحيانا لغة «الأم» وأحيانا أخرى «لغة البلاد»(la mère-patrie)، وإلا هل نستطيع الزّعم بأن لغة سكّان فرنسا من الجيل الثاني والثالث الجزائريين «لغة أمّ» أم لغة أجنبية؟ علمًا بأن سكان الضواحي بفرنسا من الجزائريين المذكورين خاصة صاروا يتحدثون لغة فرنسية جديدة تدعى(le verlan)، إضافة إلى بروز رغبة شديدة في تعلّم العربية الفصحى، وهنا قد يقول قائل بأن المتحدثين باللغة الأمازيغية يجدون صعوبة في ميدان التعليم كون العربية ليست لغتهم الأم، وأنا رغم تفهمي التام للناطقين بهذه اللغة وهي لغة جميع الجزائريين وليست حكرًا على منطقة بعينها، يمكن الاستعانة بها في مجال الشرح والتلقين للمتمدرسين الصغار، و العربية الفصحى ليست عائقا إطلاقا في هذا المجال، كما يدّعي البعض وأعظم دليل على ذلك تسجيل تفوق منطقة القبائل على المستوى الوطني في امتحانات نيل شهادة التعليم المتوسط والبكالوريا لمدّة 15 سنة على التوالي!!

 

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …