الأربعاء، 26 يناير 2022

دمشق الآن.. الحبّ بديلاً عن الموت

بسمة شيخو

في هذا الزّمن الدّمشقي الجاحد، صرت أتتبّع خيط النّور الباهت بعيون شعراء سوريين، أتلصّص على كلماتهم في مواقع التّواصل الاجتماعي، أو على الورق، أنظر إلى المدينة المائلة على جثتها من «جحورهم»، أتحسّس حرارة جملهم، وضغط نفسياتهم وهم يكتبون.

أُحاول أن أقرا لهم مرّة أو مرّات، أن أُشرّح كتل اللغة التي تسكنهم، أتصفّح صوراً لهم، من زمن الحرب وأخرى ما قبل الحرب، وهم عابسون أو مبتسمون أو غير مبالين، ونادراً ما كنت أُعلّق، أو أتفاعل مع منشوراتهم، لسبب واحد: أن الجسد المحتضر لا يحتاج لمن يُواسيه، بل يحتاج فقط أن ننظر إليه، وننفخ على طرف من أطرافه حياة جديدة، لعلّها تكبر، في غفلة من تجّار الحرب، وبرابرة العصر الحديث، وتزهر حيوات أخرى، أكثر طراوة وأقلّ وحشية مما تعرفه سوريا اليوم.

في قصائد ديوان «آخر سكّان دمشق»(مركز التّفكير الحرّ، 2016) للسّورية بسمة شيخو(1986-) تتحوّل دمشق إلى ما يُشبه إلهة إغريقية منبوذة، إلهة مجرّدة من ماضيها ومن تابعيها، مبعدة من أهلها، وحيدة ومعزولة، تتنظر من يلتفت إليها، ويُعيد لها شيئاً من وجاهتها وحُرمتها وسلطانها المفقودين.

في الدّيوان نفسه، دمشق لا تكتف بكونها عمرانا وحارات وتاريخا ممزّقا، ليست مجرد عاصمة لبلد منهك من تراشق الإخوة والجيران بأقمصة الأيتام، بل هي روح، هي بشر، كائن يلعب ويقفز، يفرح ويحزن، هي طفلة صغيرة تحلم بيدين ناعمتين لحملها، والمشي بها، بعيداً عن أصوات القتل والتّقطيع التي باتت تلوّن نومها ويقظتها.

الشّاعرة بسمة شيخو تجعل من دمشق الرّمادية – الآن – حديقة كلمات، لا تنعيها، ولا تبك لحالها، بل فقط تحتضنها، وتحكي لها أشياء مضت، وأخرى لم تحدث قط، لعلها تجد في الشّعر سبباً لمداواة نفسها بنفسها.

«أجلس عند أبواب الجوامع/ عند الملاهي والبارات/ لا بشرَ في هذه المدينة/ فزّاعات فقط/ أيتام يموتون عند قدميّ/ وشعراء بُلّه يتغنّون بياسمين دمشق» تكتب الشّاعرة عن دمشق التي صارت نسخة أكثر واقعية من غرنيكا، تنازلت عن مغرياتها وتحوّلت إلى شبح لذاتها. وتضيف: «أنا لا أبكي/ ولا أملك دموعاً لذلك/ الملح يخرج من فمي/ وشفتاي لا تعرفان إلا الابتسام/ يموتون في الشّارع المقابل فأبتسم/ يجوعون في المدينة المجاورة فأبتسم/ يُدفنون في قبري.. فأبتسم/ أنا التي ستموت/ بلا قبر/ بلا دموع/ بلا بسمة».

يصير الموت فعلا مبتذلاً في دمشق، أمراً عادياً، بلا وجع ولا طقوس. «النّاس يموتون كالذّباب» من دون أن يخلّفوا وجعاً لمن يحبّهم.

غلاف ديوان: آخر سكّان دمشق

الحزن لا يليق بدمشق، بل السّخرية منه ما يجب، وهو ما تقوم به بسمة شيخو، في ديوانها، الذي يبدو كما لو أنه كُتب بنفس واحدة، في يوم طويل واحد، بصباح يشبه المساء، يشبه «شقاءات» الحروب الرومانية، كما لو أن الدّيوان كلّه قصيدة واحدة مطوّلة، في مديح دمشق والغضب منها، قُسّمت إلى مقاطع، بعناوين مختلفة. «أسباب الوفاة تختلف كلّ ليلة/ رصاصة في الرّأس/ قذيفة/ وآخر مرّة كانت سيارة مفخّخة» تكتب شيخو. الأموات في دمشق ينعون أنفسهم في قبورهم، ولا ينتظرون أحداً من الأحياء يرأف بحالهم.

كلّما اشتدّت الأزمة، ارتفع صوت الشّعر عالياً، ليقلّل من خسائرنا، ويذكّرنا بأن في القلوب حياة موازية تتحرّك وتُقاوم جفاف الواقع. «أحبّ أكثر من شخص/ لكّل منهم كرسي ملوّن في قلبي/ يغادر أحدهم/ فأستأنس بالباقي»، هذا «الحبّ» الذي يطلّ على القلوب، في لحظات الانفجار السّوري الأكبر، هو محرّك للكتابة، سدّ في مواجهة الجنون المُمكن، هو قطب جاذبية نحو الحياة، الذي يحرّك القصائد في ديوان «آخر سكّان دمشق».

«لا أحفظ التّواريخ عادةً/ لا شيء في هذه المدينة يشجعني لأفعل/ أملك ذاكرة سمكة/ لا أتذكّر أين خبّأت ذكرياتي الجميلة».. تكتب الشّاعرة.

لكن، لا حاجة للذّاكرة، في مدينة تتآكل، فالأهم من كلّ شيء أن نعيش فيها وننجو من موت طائش، لنقصّ على القادمين حكايات جديدة، أن نستمسك بحبل اللغة لنكتب، هكذا تختم بسمة شيخو ديوانها الشّعري الجديد: «ها أنا الآن صلبة كقوس زاوية دمشقية/ عتيقة كذاكرة عجوز لا تعرف ما يجري الآن/ تجتر ثلاثينيات الشّام/ وتبتسم برضا».

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …