الجمعة، 28 أبريل 2017

الإجماع.. يساهم في تأخّر الإسلام

فرحات عثمان
فرحات عثمان

لقد دأب أهل الإسلام، بأمر من السّلطان لحفظ نفوذه، على الامتناع عن الاجتهاد بغلق بابه، فاعتمدوا على الإجماع على بعض المسائل ولو ثبت الخطأ فيها.

لذا، فالسّؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل الإجماع على الخطأ يلزم أمّة الإسلام؟

لا شكّ أنّ مما يساهم في تأخر الإسلام اليوم هو هذه القاعدة التي نسير عليها كالأعمى الذي يهتدى بالأعمش، وهي أن إجماع الأمة لا يكون أبدا على الخطأ. وقد كان هذا ممكنا وصحيحا في فترة الذّروة من حضارة الإسلام، إذ كان الذهن متفتقًا وكان العقل لا يتعارض مع الدّين، بل يخدمه، مما مكن الحضارة العربية الإسلامية من تصدير أفضل ما لديها من فكر تنويري إلى الغرب أفاد منه لنهضته وأنواره؛ ولولا مساهمة الإسلام هذه، خاصة بنقل تاريخ الغرب الإغريقي ومنطقه إليه، لما عرف الغرب التطوّر الذي عاشه إلى اليوم.

أما في زمننا الرّاهن وقد استدار ودالت الدّول فيه فأصبح المسلمون في دينهم يعمهون، يُجمعون على الغثّ ويرضون بالدون. هل نواصل التّعلّق بقاعدة استحالة خطأ الأمة إذا أجمعت على شيء رغم ثبوت مثل هذا الخطأ؟

إنه من الثّابت مثلاً، وقد تمّ بيان ذلك بالدّليل القاطع، أن الإسلام لا يحرم الخروج منه إذا كان ذلك عن سلم وبسلامة في نطاق اقتناع شخصي، لأن المبدأ في الإسلام هو حرية العقيدة والاعتقاد؛ فهل ننضوي تحت راية من يرى، باسم إجماع خاطيء، أن ذلك ممنوعًا فنحرّم الردّة ونظلم الناس باسم الإسلام وهو من ترهاتنا بريء؟

ثبت أيضا أن الإسلام لا يمنع بتاتًا حريّة ممارسة الجنس أيا كانت صفته، حتى وإن كان شاذًا نتيجة لما اقتضته الطّبيعة البشرية، ما دامت هذه الممارسة تتمّ في السّتر ومع التقيّد بقواعد الحشمة واحترام الغير وعدم تجاوز الضوابط الأخلاقية في الاعتدال بالنسبة للأهواء والشهوات. هل نداوم إذن تحريم الجنس بين البالغين، أو اعتبار الشذوذ الجنسي، وهو من الطّبيعة في البشر، وفي الطّبيعة أيضا، انحرافا عن الأخلاق لأن الأمّة أجمعت خطأ على ذلك؟

نحن نرى اليوم مجتمعاتنا ودولنا تأخذ بالخطأ فتشوّه الإسلام وتنقض ما في تعاليمه من سماحة مما خالطها من إسرائيليات، فهل نواصل القبول بالغلط ونسكت على الباطل؟

لقد تعدّدت مظاهر مخزية في عديد من البلاد العربية والإسلامية، مثل هذا الغلط الفاحش في حقّ الإسلام المتمثّل في منع المجاهرة بالإفطار وقمعها بالمعاقبة بالسّجن، بينما ما منع الإسلام قطّ المجاهرة بل سمح بذلك مع ضرورة التعويض والكفارة فقط. ناهيك من يقتل باسم الإسلام الذي جاء عدلاً رافعًا للمظالم كلها ليبقى ملّة رحمة ومغفرة حتى لمن أخطأ؛ فما بالك لمن ما أخطأ البتة؟

نعم، لا يجب أن نغتر في ديننا، فنخلط بين ما هو من شعائره وبين ليس هو منها؛ وهذا يقتضي أيضا عدم الخلط بين ما هو من الإيمان وما هو من الإسلام، أي الحنيفية المسلمة؛ فالإيمان يشمل الديانات التوحيدية الأخرى التي يعترف بها الإسلام. فكما قلنا في طرحنا بخصوص عيد الأضحي، الأضحية من الإسلام الحنيفي، فلا تجب الأضحية فيه خارج الحج، إذ هي مجرد التّخليد لسنة إبراهيم في همه ذبح ابنه.

إنه ليتوجب علينا اليوم، وعلى أئمة المسلمين بصفة أخص، لفت انتباه المؤمنين إلى حقيقة دينهم ودعوتهم لتخليص إبريزه مما شابه حتى تعود إلي ديننا نضارته، خاصة بعد ما اعتراها من تدنيس لعل أعلى درجته ما يقع اليوم مع داعش.

ضرورة العودة للإسلام الصّحيح بالاجتهاد     

إن مثال عيد الأضحى يبيّن بوضوح حال شخصيتنا الإسلامية المشوّشة بما تغلغل فيها من إسرائيليات، الشّيء الذي أضاف للتشويش النفسي تشويشًا ثقافيًا دينيًا له تداعيات وخيمة على سيكولوجية العربي المسلم كما نراه في الشخصية العربية المغاربية الأمازيغية.

لا جرم، إن دين الإسلام اليوم كشمس ساطعة في كبد السّماء، إلا أننا في فصل الصّيف، وهذا يقتضي منا للانتفاع بها حسب مقتضيات الفصل، أي التخلّي عن الثّياب وارتياد الشّواطئ التي لا تنعدم ببلادنا.

أما إن حافظنا على تدثّرنا بثيابنا وتزملنا بها كأننا في فصل الشّتاء، ثم لازمنا المدن، فلا مناص عندها من التأفّف من حرّ الشّمس المفرط والهروب منها ابتغاء للظلّ؛ وفي هذا الأمراض الجلدية أيضا. لذلك حالنا تعيسة في بلدنا المشمس الذي يأتيه السّياح من كلّ حدب وصوب باذلين الأموال السّخية للانتفاع بشمسنا وشواطئنا؛ فهلا بدأنا بأنفسنا نزكيها مما فسد فيها؟

هذه الشّمس هي ديننا الحنيف الذي نضيّعه لا محالة بتزمت مقيت ليس من نصّه ولا روحه ولا مقاصده، عوض الأخذ بهذه الأخيرة حسب ما يقتضيه الشّرع الصّحيح الذي يفرض استعمال العقل الحصيف والذّهن المتّقد ذكاء للتفتّق على ما يميّز البشر، ألا وهو التّوق للأفضل.

هذا، ونحن نعلم أن الأفضل في ابن آدم كالتجارة النافقة، تتغيّر حسب الأزمن والأحوال؛ لا بدّ لها من التأقلم مع حال السّوق، خاصة إذا كانت نوعيتها تمكّنها من ذلك؛ فتلك الطبيعة البشرية التي لا تبقى على حال من الصّحة والطهارة بدون عناية مستمرة ورعاية لضميرٍ لعله يصدأ إذا لم نسهر على تزكيته المستدامة بأن نسعى لذلك بدون عنجهية في الغرور بعلم ليس هو إلا عند الله، بما أن العالم الحقّ هو الجاهل الذي لا يفتأ يتعلّم.

هذه هي الرّوح الإسلامية التي لم نعد نعرفها، إذ انبرى الجهال مشايخ، فادّعوا علمًا ليس في الدّين وتقمّصوا دور الكهنة والقساوسة في ادعاء علم أعلم ومعرفة أعرف من حكمة الله التي لا يطالها العقل البشري، الفقير دومًا لها. بذلك غدونا في جاهلية مطبقة، خاصة بما داخل دين الإسلام من إسرائيليات باسم العودة إلي سنّة إبراهيم، جدّ الموحّدين.

الإجماع.. يساهم في تأخّر الإسلام
الإجماع.. يساهم في تأخّر الإسلام

إن تعاليم الإسلام السّمحة اليوم في مقاصده السنية؛ وهي في روحانيات كانت الصوفية من الأوائل، بعد أهل الصفة، في الأخذ بها والسير على منهاجها؛ فكان السالك، وكان الإسلام الحق! ثم عنّ للساسة من خلفاء بني العباس غلق باب الاجتهاد، فإذ بصرح الحضارة الإسلامية ينهار، وإذا بالعادات اليهودية، وحتى المسيحية، تتغلغل فيه فتمحو العديد مما فيه من ثورية؛ فهي الطّاغية على الفقه الحالي.

رغم ذلك، كان هذا الفقه أساسًا نتاج اجتهاد يُذكر فيُشكر لحملة علم أغلبهم من غير العرب، وهم الموالي، أي من كان مشبعًا بالعادات اليهودية والمسيحية المنتشرة في ذلك الوقت بالجزيرة العربية والتي جاء الإسلام مصححًا لها. لكن، في الحين نفسه الذي تطوّر الغرب اليهودي المسيحي، نابذا كلّ ما في عاداته القديمة من نزعة غير ديمقراطية، حافظنا عليها في الإسلام؛ فالمسلمون اليوم، متزمتون كانوا أو معتدلون، يعدّونها من الإسلام وهي ليست منه.

إن القراءة التي تدّعي السلفية خاصة ليس فيها إلا الفكر اليهودي والمسيحي؛ وهي تمسخ تعاليم الإسلام السّمحة بالعودة لا إلى سنة إبراهيم الخليل، أي الحنيفية السّمحة حسب ما صحّحه الإسلام، بل إلى اليهودية كما عرفها المجتمع الجاهلي فطالت الإسلام وعُرفت بمسمّى الإسرائيليات، كما قلنا ونعيده للذكرى.

المرور من التجارة إلى الروحانيات

لا شكّ أن الخاصية الشعبية للإسلام التي تجعل أعياده مهرجانات، رغم ما فيها من مساوىء، هي الميزة الكبيرة التي تجعله هذا الصّرح المنيع في الأنفس، يتناسب ويتناغم مع مقتضيات الزّمان الحاضر، أي زمن ما بعد الحداثة؛ وهو الحقبة الزمنية المتميّزة بنزعة روحانية طاغية مع شدّة تعلّق بكل ما هو من باب الُمتعية ووجوب الاستمتاع بالوقت الحاضر والتّلذذ بمباهجه. ولا شك أنه لا أكبر ولا أعلى من مباهج ليس لها فقط صبغة الحلال، دون تزمّت، بل وأيضا فيها تمام الدّين.

بقي أن يعمل أهل الفقه على ترشيد هذا الإسلام الشّعبي بالكفّ عن الكذب في الدّين والحرص على التّعلق بالصحيح منه. مثلا، من الضروري التذكير أن من المعانى الأصلية للحلال انعدام الريبة، ومن ذلك المجاز: الحُلو الحلال، أي الكلام الذي لا ريبة فيه؛ ومنها أيضا حلّ العقدة والنزول بالمكان الآمن؛ فكلها ترمى إلى ما فيه اجتماع أمنى متسامح. وحتى فقها، أي ما يُقابل الحرام.

فالحلال في الإسلام ليس ما نعرف أو ندّعي، بل هو المطلق شرعا سواء بالإذن أو بغير الإذن؛ وبذلك فهو يشمل المباح والمندوب والواجب والمكروه؛ وهذه كلّها من الأمور التي تتغيّر مع تغيّر الزمن وتتطوّر الأذواق، فيبقى المهم التعايش السلمي في كنف دين الإسلام الذي هو أولاً وقبل كل شيء سلام.

إن المسؤولية لعظيمة على من يتكلم اليوم باسم الدين، وخاصة بين من يحكم بلاد الإسلام، فيقر فيه ما ليس منه من قمع لحريات يعترف بها الإسلام وقهر لحقوق المؤمن الذي أراده ديننا هذا العبد الحرّ الأبي الذي لا يسلم أمره إلا لخالقه.

لقد جاء الإسلام بتحطيم الأصنام، كل الأصنام، وها نحن أولاء أمام أصنام جديدة من النوع المعنوي يقيمها البعض ممن يجعل نفسه الطاغوت الرباني الذي يستعبد العباد، وما استعبدهم خالقهم. لقد حان للإسلام ونحن على رأس مائة سنة جديدة أن تتجدّد قراءته لرفع كل ما دنّسه!

لا بأس أن تكون الشعائر عند المسلم مواسم؛ والموسم، كل موسم، عيد أو فرصة سانحة لإقامة العيد والاحتفال والمهرجان. لذا، فلا عيد بدون احتفاء واحتفال، ولا إقامة شعائر بدون مهرجان في الإسلام الشعبي الذي يبقي من أهم تجليات الإسلام. إلا أنه يتعين، كما في حال عيد الأضحى، العمل بما في الإسلام الذي لا يفرض في سماحته ما لا طاقة للمسلم به. فإن كان لا بد ما من تحقيق ملتزمات المهرجان من احتفال وبهجة في هذا العيد، فمن الإسلام ألا يكون في ذلك تعنّت على النّفس وتعب بدني ومادي.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آسيا جبار، 1985

آسيا جبار.. غريبة كجناحي سنونوة

  مرّت، الشّهر الماضي، الذّكرى الثّانية لرحيل الرّوائية الكبيرة آسيا جبار (1936-2015) في صمت غريب.. …

غحسان الجرفي

عندما تطلب السّماء.. إبطال تجريم المثلية

أظهرنا في طروحات سبقت أن تجريم المثلية غير وارد لا في القرآن ولا في السّنة …