الثلاثاء، 24 أكتوبر 2017

لا أضحية في الإسلام خارج الحجّ

فرحات عثمان

انطلاقًا مما أصبحت عليه الحال بالنسبة لعيد الأضحى، نقول أن هذا ليس من شعائر الإسلام، إذ لا أضحية إسلامية إلا في نطاق الحجّ.

أما خارج ذلك الإطار فليس هو، في أفضل الحالات، إلا مهرجانًا شعبيًا تجاريًا أقرب للإسرائيليات منه لدين الإسلام الصّحيح.

فالأضحية إذا كانت من سنّة الرّسول في نطاق الحجّ، فهي خارجه من سنة إبراهيم في نطاق اعتراف الإسلام بجميع الديّانات التوحيدية التي سبقته، بما أنه خاتم الرسالة السماوية.

أضحية.. سنّة الرّسول في نطاق الحجّ

سُمّي عيد الأضحى كذلك بِأَوَّلِ زمان إتيان الأضحية، وهو الضُّحَى؛ وكان أول فرض هذه الشعّيرة فِي السَّنَةِ الثَّانية من الْهجرةِ. ويتّفق الفقهاء على القول أن الأضحية هي شعيرة من شعائر الإسلام، داوم عليها الرّسول الكريم إحياء لسنة إبراهيم، الأب الجامع لأهل التّوحيد. وهي حسب رأيهم سنّة مؤكّدة في حقّ كلّ قادر عليها وفق ما أجمع عليه العلماء، لا تسقط إلا لفائدة من كان في عسر، لا تتوفّر لديه القدرة على أضحية..

بداية، نلاحظ أنه لا خلاف في عدم وجوب أضحية على من كان في عسرة؛ أفليس هذا وضع غالبية من يُضحّي من المسلمين، إذ حال أغلبية شعوبنا العربية رثّة؛ بل كلّ بلداننا في وضعية مكربة مع عسرة اقتصادية صارخة، إلا للنزر القليل من المحظوظين الذين قلما يضحّون في العيد؟

لا شكّ أن هذا يتّفق مع ما نعرفه من أن الحجّ ليس واجبًا مطلقا، إذ ليس هو كذلك إلا لمن استطاع إليه سبيلا. وما من شكّ أن الاستطاعة ليست فقط في توفر المال للتنقل إلى مكّة، بل هي أيضا في القيام أولاً بالفرئض الأربع الأولى، خاصة في تزكية المال بصرفه على المحتاج والمسكين المتواجد بظهراني المسلم الذي يزمع على الحج. فأولى أن يحرص على استعمال المال في إبطال الاحتياج حواليه، ابتداءً بالأقربين وأهل البلد منهم، من صرفه في ما ليس فيه إلا منفعة شخصية تتعارض مع روح الإسلام التكافلية.

هذا، ثم القول بأن أضحية العيد هي من سنّة الرّسول إحياءً لسنة إبراهيم لا يبين حقيقة الأمر تامةً، إذ الأصوب القول أنها سنّة الرسول من زاوية إحياء شعائر الحجّ، وهي سنّة إبراهيم الخليل يخلدها رسولنا الكريم من زاوية إحياء حادثة الذبيح المذكورة بالفرقان، وهو إسحاق.

نعم، إن أغلبية المسلمين اليوم يعتقدون خطأ أن الذبيح هو إسماعيل، بينما أغلبية علماء الإسلام القدامي ينكرون هذا القول، مؤكدين أن الذبيح في الحقيقة هو إسحاق، ومنهم الإمام الطبري في تفسيره الجليل؛ والرأي نفسه عند القرطبي والرازي مثلا. وهؤلاء يعددون أسماء الصحابة الأجلاء الذين كانوا يقولون نفس الشيء، أي أن الذبيح إسحاق، ومنهم الخليفة عمر وعلي بن أبي طالب والعباس، عمّ الرسول، وابنه عبد الله، حبر الأمة، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم.

إن مداومة الرسول لمثل هذه الشعيرة كان دوما في نطاق الحج وبالتوازي معه، لا كعيد مستقل عن الحج؛ وقد كانت هذه القضية من ذلك الخلاف الكبير الذي عرفناه على مدى تاريخ الإسلام بين علمائه.

يذكر القرآن حادثة الذبيح دون الإفصاح عن هويته بسورة الصافات، من الآية 100 إلى الآية 111. هذا، وفي تفسيره الجليل للآية عدد 107 من سورة الصافات حيث قوله تعالى: «وفديناه بذبح عظيم».

يقول الإمام الطبري، بعد أن استعرض كعادته كلّ ما قيل في الموضوع، ومنها أقوال قليلة بأن الذبيح هو إسماعيل، وأقوال أكثر عددا من أنه إسحاق: «وأولى القولين بـالصواب فـي الـمفْدِيّ من ابني إبراهيم خـليل الرحمن علـى ظاهر التنزيـل قول من قال: هو إسحاق، لأن الله قال: {وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيـمٍ}. فذكر أنه فَدَى الغلامَ الحليمَ الذي بُشِّر به إبراهيـم حين سأله أن يهب له ولداً صالحاً من الصّالـحين، فقال: {رَبّ هَبْ لي مِنَ الصَّالِـحِينَ}. فإذ كان الـمفدِيّ بـالذبح من ابنيه هو المبشَّر به، وكان الله تبارك اسمه قد بـيّن فـي كتابه أن الذي بُشِّر به هو إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، فقال جلّ ثناؤه:{فَبَشَّرْناهُ بإسَحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إسحَاقَ يَعْقُوبَ}. وكان في كلّ موضع من القرآن ذكر تبشيره إياه بولد، فإنما هو معنّى به إسحاق، كان بيِّناً أن تبشيره إياه بقوله: {فَبَشَّرْناهُ بغُلامٍ حَلِيـمٍ}فـي هذا الموضع نحو سائر أخباره في غيره من آيات القرآن.»

ولعل تسمية يوم النّحر ويوم عرفة بيوم الحج الأكبر للدليل الأكبر على أن لا عيد خارج الحجّ، وبالتالي لا أضحية خارجه أيضا.

المضحّي يُضحي بما يقدر عليه من الهديّ في نطاق الحج، وليست الأضحية إلا من الهدي. لنصغ لما يقوله ابن القيم في الموضوع: «يوم النّحر هو يوم العيد، وهو يوم الحجّ الأكبر، وهو يوم الأذان ببراءة الله ورسوله من كل مشرك». ويقول الرسول: «أفضل الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر»، ويوم القر هذا هو يوم الاستقرار في منى، وهو اليوم الحادي عشر من شهر الحج.

أما السنة الصحيحة في ما اتفق عليه الشيخان، فلا حديث عن الأضحية إلا كجزء لا يتجزأ من مراسم الحج، لا كعيد مستقلّ بذاته فيه إحياء لسنة إبراهيم فقط، لأنه عندها ليس إلا إحياء للإسرائيليات في دين الإسلام.

لا أضحية في الإسلام خارج الحجّ

أضحية خارج الحج هي سنّة إبراهيم الخليل

نعم، جرت العادة في بلاد الإسلام بإحياء سنّة إبراهيم الخليل، ولا شيء يمنع ذلك في الدّين القيّم بما أنه يعترف باليهودية التي سبقته، إلا أنه على المسلم أن يعلم ذلك، أي أنه إذ يحي سنّة الخليل فهو يحي ذبح ولده إسحاق. فقد ورد ذكره في الكتاب المقدس ولم يقل بعكسة القرآن؛ إذن أولى الأخذ بكلام الله من كلام بعض الفقهاء اجتهادًا منهم أخطأ هنا.

ولقائل أن يقول، وهذا ما يتعلق به المسلمون الذين يعتقدون في أن المعني بسورة الصافات هو إسماعيل: إن التضحية تخصّ البكر من الأبناء، ونحن نعلم أن الابن الأكبر لسيدنا إبراهيم هو إسماعيل. وهذا من الخلط والغلط؛ لأننا نعلم أن إسماعيل ابن أمة، وأن أبناء الإماء لم يكن لهم من الحقوق مثل ما لأبناء الأحرار. فلا يمكن لا عقليا ولا اجتماعيا ولا تاريخيا أن يكون الله طلب من إبراهيم التضحية بابن أمة. وهذا ما يقرّ به العديد من الأئمة الأجلاء الذين ذكرت آنفا.

ولنقرأ ما كتب الإمام الطبري: «وبعد، فإن الله أخبر جلّ ثناؤه فـي هذه الآية عن خليله أن بشَّره بـالغلام الحليم عن مسألته إياه أن يهب له من الصّالحين، ومعلوم أنه لـم يسأله ذلك إلا فـي حال لـم يكن له فيه ولد من الصالحين، لأنه لـم يكن له من ابنيه إلا إمام الصّالحين، وغير موهوم منه أن يكون سأل ربّه فـي هبة ما قد كان أعطاه ووهبه له. فإذ كان ذلك كذلك فمعلوم أن الذي ذكر تعالى ذكره فـي هذا الموضع هو الذي ذكر فـي سائر القرآن أنه بشَّره به وذلك لا شك أنه إسحاق، إذ كان المفديّ هو المبشَّر به.

وأما الذي اعتلّ به من اعتلّ فـي أنه إسماعيل، أن الله قد كان وعد إبراهيم أن يكون له من إسحاق ابن ابن، فلم يكن جائزاً أن يأمره بذبحه مع الوعد الذي قد تقدم فإن الله إنما أمره بذبحه بعد أن بلغ معه السّعي، وتلك حال غير ممكن أن يكون قد وُلد لإسحاق فـيها أولاد، فكيف الواحد؟ وأما اعتلال من اعتل بأن الله أتبع قصة المفديّ من ولد إبراهيم بقوله:{وَبَشَّرْناهُ بإسحَاقَ نَبِيًّا}. ولو كان الـمفديّ هو إسحاق لم يبشَّر به بعد، وقد ولد، وبلغ معه السّعي، فإن البشارة بنبوّه إسحاق من الله فيما جاءت به الأخبار جاءت إبراهيـم

وإسحاق بعد أن فُدِي تكرمة من الله له على صبره لأمر ربه فيما امتحنه به من الذبح.. وأما اعتلال من اعتلّ بأن قرن الكبش كان معلقاً فـي الكعبة فغير مستحيل أن يكون حُمِل من الشام إلى مكة. وقد رُوي عن جماعة من أهل العلـم أن إبراهيم إنما أُمِر بذبح ابنه إسحاق بالشام، وبها أراد ذبحه».

ولنقل كلمة في اختلاف الآراء في ارتباط عيد الأضحى بموسم الحج، فقد كثر الجدل بين المسلمين في العالم؛ بعضهم يرى أن عيد الأضحى في كل العالم يجب أن يكون في اليوم الذي يلي يوم الوقوف في عرفة، وهذا هو الرأي الأصيل؛ أما البعض الآخر فيقول أن عيد الأضحى ليس مرتبطاً بيوم عرفة أو بشعائر الحج، إنما هو شعيرة إسلامية منفصلة ومستقلة بذاتها، يجب أن تحدّد تبعاً للرؤية المحلية للهلال، وهذا مما طرأ على فهم ديننا لما داخله مما ليس منه. وقد كان الأمر تاريخيا على هذه الحال الأخيرة من تعدّد أيام الاحتفال بعيد الأضحى كما رواه مؤرخو الإسلام، وكما بيّنه ابن حجر العسقلاني مثلاً.

خلاصة القول، وللخروج من التشويش العقائدي، علينا أن نعلم أن الأضحية هي من سنّة الرسول إذا كانت في نطاق الحج؛ وهي بذلك من شعائر الإسلام؛ أما إن كانت خارج الحج، فهي عندها من سنّة إبراهيم الخليل التي يعترف بها الإسلام ويقرها.

عدم جواز الأضحية لا هذه السّنة ولا في السنوات المقبلة

عيد الأضحى مهرجان شعبي تجاري

إن من واجب فقهاء الإسلام، إذ اختلط فيه الحابل بالنابل في لخبطة قيمية مهولة، قول الحقيقة للمسلمين حتى لا يغتر المسلم في دينه. ولا شكّ أن من واجبهم، وحال بلداننا على ما هي عليه من دمار اقتصادي وخراب في ميزانية غالبية العائلات، أن يفتوا بعدم جواز الأضحية لا هذه السّنة ولا في السنوات المقبلة إلا في نطاق الحج.

هكذا يُسدي الفقيه المسلم الذي صح دينه أفضل الخدمات لبلده ولبني بجدته ولدينه، مساهما في رفع ما تعلّقت به من إسرائيليات عُدت من الإسلام وهي ليست منه.

فعيد الأضحى كما نحتفل به ليس فيه من الدين الإسلامي الصحيح أي شيء، بما أن الأضحية من شعائر الحج، لا مكان لها خارج مكة ودون الحج. رغم هذه الحقيقة، نرى أهل الإسلام يتهافتون على شراء الخروف للتضحية باسم الدين، بينما هم لا يقومون بذلك إلا إشباعا لنهمهم عند البعض ولزيادة في ربح تجاري عند البعض الآخر ممن يمتهن تجارة الغنم مباشرة أو عن طريق غيره من الذين يشجعون على التضحية الوجوبية في موسم الحج خارج الحرم المكي.

إن عيد الأضحى لهو المثال الأسنى على هذا المرور الذي لاحظناه في الإسلام من الشعائرية إلى المهراجانية. فقد أصبح حقيقة مهرجانا لتجارة الخروف أكثر منه عيدًا دينيًا، وهو بذلك يتفق مع عقلية المهرجان التي يكثر فيه الهرج والمرج، بما أنه لا يخلو من عربدة ومجون دنياوي؛ بل دنس للحرمات وانتهاك لروحها.

فهلا عملنا، في نطاق هذا المهرجان الشّعبي، المرور به من مجرد التّجارة إلى الروحانيات، فيكون مهرجانَا روحانيًا يتناسب مع روح الإسلام ومقاصده؟

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

من اللاّضية إلى الدّمى الجنسية

هل كان يعتقد السيد “لاض” أن ثورته، التي بدأها ضدّ الآلة سنة 1811، ستنتهي إلى …

كمال داود: من حقّي أن أفجّر الأسئلة، لا القنابل

ترجمة: سماعن جلال الدين كمال داود في حوار شيّق مع المجلة الأسبوعية الفرنسية “لوبوان”، عن …