الإثنين، 26 يونيو 2017

هل عيد الأضحى اليوم حقًا إسلاميًا؟

 

فرحات عثمان
فرحات عثمان

كثرت المغالطات في دين الإسلام إلى حدّ اللخبطة القيمية، التي مهدّت لقيام الجاهلية مع داعش وصويحباتها من أهل التّزمت، وعلى رأسهم الوهابية المارقة.

هذا ليس من الإسلام في شيء؛ وليس فيه أي جديد، إذ هو تداعيات ما عُرف في تاريخ الدّين الإسلامي بالإسرائيليات، وقد طغت فيه إلى حدّ طمس معالمه السّمحة.

ذلك أنه بعد أن نبذ هذه العادات أهلها من اليهود والنّصارى، هاهم أهل الإسلام أكثر تمسكًا بها! فهل أكثر من هذا معاداة للإسلام من طرف من يدّعيه وهو ينسف صرحه من الأساس ليجعله ظلاميًا بعد أن كان أنوارا ساطعة، إذ أتى الإسلام ثورة عقلية على كل ما تحجّر في بني آدم؟

إن العديد من الأعياد التي نحتفل بها اليوم ليس فيها من الإسلام إلا ما رسب بها من عادات غريبة عن روحه ومقاصده، كالاحتفال بالمولد النّبوي الشّريف، وكعيد الأضحى الذي نتعرّض إليه في هذه المقالة بمناسبة موسم الحج الذي أصبح بدوره مجرد طقوس لنوايا تجارية ليس فيها من روح الإسلام الصّحيحة ومقاصده ولا نقيرًا.

الأضحية في الإسلام ليست طقس اليهودية

العديد من العادات في الإسلام والاحتفالات الشّعبية التي نعرفها اليوم لم تكن منه بالمرّة، إنما هي إفرازات ما داخله من جراء تغلغل عادات غريبة عنه، ونظرًا للقمع الذي تعرّضت له شعوبه. لذا اختزن الفقه الإسلامي المعمول به إلى يومنا هذا الكثير مما سُمّي بالإسرائيليات، أي ما عُدّ إسلاميا غلطًا، إلا أنه أصبح مع الزّمن مما يُعتبر ضرورة منه وذلك لأسباب متعدّدة، سياسية خاصة.

هذا يجعل العديد من أهل الفكر العربي الإسلامي، وقد تكوّن حسب النمط الغربي في التّفكير، فيض خاطره في مسائل منسوبة على الإسلام لأجل خدمته، كعيد الأضحى مثلا؛ إلا أنه يُسيء للقضية أكثر مما يفيدها، إذ نجد قراءته لهذا العيد مفعمة غربيات وذهنيات لا تمت بصلة للعقلية الشرقية والروحانيات المشرقية.

نبدأ بمقولة من أخطأ في فهم دينه وهو يحاول جاهدًا، بحسن أو سوء نيّة، إخراجه من عنق زجاجة التّخلف الذّهني التي أصبح أسيرها، كما هي حال النخّبة في العالم العربي الإسلامي. فهي أسيرة  الفكر الذي أكل عليه الدّهر وشرب، بما أنه ليس إلا من فكر الحداثة وقد قُبضت، إذ أنها بصدد التورية تحت التراب في زمن ما بعد الحداثة الذي أظلنا.

العديد من هؤلاء يرون في عيد الأضحى الخلاص الذي مارسه إبراهيم مع ابنه إسماعيل، ويقولون بحقّ أنه من طقوس اليهودية التي نجدها في الإسلام؛ وهم يرون في ذلك المعنى القديم المتقادم للرحمة الإلهية التي تقتضي انعدام الرّحمة البشرية بعضها في بعض.

وليس في هذا الرأي كامل الصحة، ولو أن مثل هذا التوزيع الجائر للأدوار في العائلة مما ورثناه في ديننا من رواسب الإسرائيليات، والذي فيه العائلة محافظة، لربها كلّ الحقوق على أعضائها.

نعم، إنها نظرة تاريخية فعلاً صحيحة، إلا أنها بدائية لا تأخذ بما جاء به الإسلام من ثورة عقلية لا يجب تجاهلها، وإلا تجنينيا على هذا الدّين. فلا يكفي القول بما سبق، بل من الضّروري التّذكير أيضا بأن طقس الإسلام ليس هو إلا ربط سنة إبراهيم بالحجّ، فلا ذبح دونه، وبذلك لا ذبح خارج شعائر الحج.

وبالتالي، لا علاقة البتة بين هذا الطقس الديني البحت والحياة العائلية التي ليس فيها ربّ ومربوب في الفكر الإسلامي الأصيل، بل حرية تامّة في نطاق القبيلة، وهي اليوم متعددة الأوصاف والتجليات؛ فزمن ما بعد الحداثة لهو زمن القبائل والعروش بلا منازع.

لذلك، يغلط من يجعل من الإسلام الصحيح مجرد تواصل للفكر اليهودي المسيحي كما هو اليوم في الفقه الذي ورثناه؛ ليس ذلك الإسلام الصّحيح، وهذا ما يجب التذكير به في نطاق العمل على العودة لما صحّ من الإسلام.

لقد جاء الإسلام بالقطع مع مثل ذلك الفكر، لأنه فترة جديدة في الذهن الديني البشري؛ ومعلوم أن مفردة «الفترة» في العربية هي القطع والانقطاع، تمامًا كما هي بالفرنسية في أصل الكلمة(époque).

لذا، من المؤسف حقًا أن يواصل أهل الفكر المسلمين الترويج للإسرائيليات في ديننا على المستوى النظري مما يدعم ما يشين الإسلام على مستوى الحياة اليومية.

ليس في عيد الأضحى أي طقس للتخلّص من الإحساس بالذّنب عن طريق الاغتسال بالدّم، لأنه لا ذنب في الإسلام. إن الفرق كبير في الإسلام بين الذنب والإثم، فلا إثم إلا في عدم التوحيد، أما الذنب فهو ما يميّز الطّبيعة البشرية ويقبله الإسلام ما دام المسلم يعمل على تزكية نفسه؛ بل ويحثّه على ذلك بآليات عدّة منها الكفّارة.

لقد حان الوقت لتنقية فكرنا وعقلنا مما شابه من رواسب الدينين اليهودي والمسيحي. فالإسلام ثورة أو لا يكون، إذ كان حداثة قبل الأوان(rétromoderne) وهو اليوم مابعد حداثي(postmoderne)، وهذا ما أسميه بالإ- سلام(i-slam).

العديد من العادات في الإسلام لم تكن منه بالمرّة
العديد من العادات في الإسلام لم تكن منه بالمرّة

تخلف الإسلام مأتاه شخصية المسلم المشوّشة

إن مثل هذا الفكر من طرف من يمثل النّخبة في بلاد الإسلام يحمل العديد من المسلمين على اليأس من دينهم ومن إمكانية تطوّره وعودة الثورية إليه؛ فإذا نحن مع مسلم حزين في أفضل الحالات، وهذا المسلم الدّعي، الذي ليس إسلامه إلا من قوراير، كمدّعي الإسلام من الوهابية وما أنجبته من داعشية. إن إسلام هؤلاء ليتهشّم بمجرد التّشهير بمغالطاتهم في الدين.

ومعلوم أن الإسلام يتجدّد حتمًا على رأس كلّ قرن، إذ جاء ثورة عقلية على كلّ ما يتحجّر في الورى؛ فستعود إليه ثورته دون أدنى شكّ على شرط العمل لأجل ذلك بالعودة للمعين الأصلي.

لذلك علينا الانتباه لأهمية الوجداني الشّعبي ودوره في الحركية الاجتماعية الإسلامية اليوم، الشّيء الذي من شأنه التأكيد على أن الإسلام الصحيح لم يعد في الفقه الإسلامي كما ورثناه. فليس هذا إلا من اجتهاد البشر، وهو اليوم يقتضي إعادة النّظر فيه.

على أنه يجب فهم أن هذا لا يرتبط بتاتًا بالتخلف الاقتصادي أو الذّهني بقدر ما هو من إفرازات التخلف الثقافي وتشوش شخصية المسلم.

إن تعبير الشخصية المشوشة من تلك التي فرضت نفسها في علوم الاجتماع الحديثة؛ ولا شكّ أن هذه الصّفة تميّز المجتمعات المسمّاة بالمتخلفة، خاصة منها تلك التي عرفت الاحتلال، وأهمّه الثقافي؛ فهي حقًا وحقيقة غير نامية ثقافيًا قبل تخلّفها الاقتصادي الذي لا يسمح لها به النظام الاقتصادي العالمي الجائر بما أنه دوما في مصلحة من يستفيد منه.

وعلينا أن نعلم أن النّمو الثقافي – وهو أساس الثّورة المعلوماتية في عالم اليوم – من شأنّه تمكين بلدان الجنوب من الحصول على تقدّم سريع فالخروج من التخلف الحالي؛ إلا أن هذا يقتضي التّخلص سريعًا من مركب النّقص أو التّعالي، وهما وجهي عملة واحدة للتشويش في الشخصية،  الشيء الذي يمنع حتما  العمل على تلافي التأخر الثقافي والحدّ من أسبابه وظواهره، خاصة على مستوى الرّموز الهامّة في حياة البشر، التي أهمها اللغة والدين.

إننا اليوم حيال احتلال جديد، أخطر مما عرفته البلاد الإسلامية؛ فهو ليس للأرض، بل للدماغ! ولا تطوّر إلا باستقلال جديد للخروج من هذا التشويش المتأتي من العقلية التي، كما بيّن ذلك ابن خلدون، تجعل المغلوب يتّبع الغالب ويتشبّه به في كل شيء.

هذا، وأضيف، اعتمادًا على أبحاثي في ميدان المتخيّل واللاوعي العربي الإسلامي، أن هذا التشويش يجعل أهلينا يحاكون أهل الغرب المتّعالي في علوّه، سواءً بالتقليد الأعمى المعهود أو باعتقاد نبذه بالعودة إلى ما حصل لهم من ماضٍ يخلقون منه حاضرًا لا حياة فيه، إنما الوهم الذي يساعد على الخيلاء والتّكبر دون أي عمل مجدٍ لإحياء هذا الماضي من جديد على أسس صحيحة ثابتة.

هذا أيضا مما يشجع عليه الغرب، لأنه يحفظ امتيازاته كاملة، إذ لا دوام لها إلا بعقلية خاضعة لسلطانه من طرف شعوب الجنوب، سواء كان هذا بالتقليد الأعمي أو باجترار ما ولّى ومضى. ذلك، دون أدنى شكّ، ما تبيّنه أحداث داعش ونصرة الغرب للوهابية، وهما من أفـظع ما نرى من تبجّح بالتّأصّل في الماضي بينما هو مجرد هدم الأسس التليدة.

الغرب يستغل دعوى التأصّل لفائدته بما أنها لا تتمّ إلا في شكل ردّة فعل على الصّورة التي يعكسها عنا العالم المدعّي التحضر لحصرنا في خانة التخلف، لأن التأصل الذي ننشده يتنزل داخل الاستراتيجية التي تُبقي تشويش شخصيتنا على حالها كما تقتضيها مصالح الغرب، خاصة وأن الأصل الدّعي ليس هو إلا إسلاما يهوديا مسيحيا نبذته الحضارة الغربية، أي إسلام الإسرائيليات.

مثال هذا ما نعرفه جيّدا بالمغرب العربي الأمازيغي من منعٍ من الأخذ بالدين بصفة علمية، فلا نسمح بنقاش كل ما تحنّط فيه مما فرضته علينا ثقافات دخيلة على الإسلام عملت وتعمل على إبقائه متخلفا كما هو اليوم. ينضاف هذا التشويش إلى ما في السياسات الرسمية من رفضٍ للآخر المختلف، كرفض الأخذ بالبعد الأمازيغي رغم صحّة إسلامه ورغم أن «الغيرية» من أسس الإسلام الثابتة.

طبعًا، يتمّ كلّ هذا بدعوى علوية العربية في بعدها الإسلامي الأوحد، مما يزيد في حدّة التشويش وتقليص حظوظ التّخلص من شذوذنا الثّقافي.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الصّحافة المستقلّة.. تحت الضّغط!

مع الذّكرى السّابعة لميلاد صحيفة “الخبر الرّياضي”، عاد السؤال: من يخاف من الصّحافة المستقّلة في …

اليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية.. كيف لا يحتفل الإسلام به وهو دين العدل؟

اليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية.. كيف لا يحتفل الإسلام به وهو دين العدل؟

يحتفل العالم أجمع في السّابع عشر من ماي، من كلّ سنة، باليوم العالمي لمناهضة رهاب …