الأربعاء، 26 فبراير 2020

الاستبداد اللغوي والتّزمت في الدّفاع عن العربية!

رشيد فيلالي

في عالمنا العربي، الكثير من العلماء الذين يمارسون الاستبداد اللغوي ويجتهدون بكلّ السّبل في التّضييق والحجر ومحاربة كل من يُخالفهم الرأي، وهذا باسم الدّفاع عن اللغة العربية والحفاظ على صفائها المزعوم.

شخصيًا، أمقت التّزمت في كلّ شيء وأدافع قدر ما أستطيع عن الحرية والابتكار ومسايرة روح العصر، طبعًا دون تمييع أو تشويه أو انسياق أعمى بعيد عن الانضباط والتّأني الحكيم.

ومن هنا فإننا لا نبالغ إذا قلنا بأن الإبداع والتغيير لا يمارسه المتحجرون الذين من أبرز صورهم النمطية ونسقهم الفكري اعتبارهم كلّ تغيير دعوة للانحراف والخيانة وتحطيم التّراث، ومن هنا كم من حكم جائر أصدره لغوي شهير وكان هذا الحكم يتعارض مع الذّوق العامّ أو مستثقلا ومنفرا فارتد على صاحبه الذي سقط في المحظور والأمثلة على ذلك لا تعد ولا تحصى!

ولكي لا يكون كلامنا مجرد رأي عام سندعمه بأمثلة حيّة لقطع الشكّ باليقين ومن بين الأمثلة التي تحضرني في هذا السّياق الحكم الذي أصدره اللغوي اللبناني المعروف إبراهيم اليازجي في كتابه «لغة الجرائد» القول بعدم صحة استعمال كلمة«التحوير»، بمعنى التغيير والتعديل، وقد جاراه في ذلك مؤلف قاموس «المنجد»، حيث أكد هذا الرّأي غير أنه لم ينتبه إلى كونه استعمله هو نفسه بالمدلول المذكور في مقدمة قاموسه «المنجد» ثم إن هذه الكلمة تستعمل الآن بهذا المدلول ذاته بطريقة عادية جدًا بل وفصيحة أيضا!

وليس صاحب «المنجد» وحده من ارتكب هذا الفعل المزدوج المعايير، إذ سبقه اللغوي المصري الشهير ابن هشام الذي قال بأن من الخطأ واللحن في اللغة القول «ها أنا» وعلّته في ذلك أن هاء التنبيه لم يسمع عن العرب الفصحاء دخولها على اسم غير اسم الإشارة (هذا.. هكذا، إلخ).

لكنه في كتابه «مغني اللبيب» قال بالحرف الواحد في مقدمته «وها أنا بائح بما أسررته». وكرر ذلك مرارا؟!

ويكاد يجمع الباحثون في شؤون اللغة العربية، في الوقت الرّاهن، على أن لغة الصّحافة ساهمت على نحو ممتاز في تطوّر وتطوير اللغة العربية ومواكبتها للعصر، على عكس ما اعتقده اليازجي الذي ذهب بعيدًا في انتقاده لها والحطّ من قيمتها، شأنه في ذلك شأن الكثير من المتزمتين والمتطرفين، والطّريف في الموضوع أن كلمة الصّحافة ذاتها كانت تعني في الأصل اللحن والخروج عن القواعد المألوفة، قبل أن تأخذ مدلولها الراهن المتعارف عليه وتتوسّع لتطلق على الصحيفة التي تنشر بها الأعمال الصحفية.

مع التذكير، أن أول من استعمل مصطلح «الصحيفة» هو الأديب والصّحافي اللبناني رشيد الدحدوح في القرن التاسع عشر وكان يقيم بباريس، فيما عارضه أحمد فارس الشدياق اللبناني أيضا، حيث ابتكر مصطلحا آخر وهو «الجريدة». وكلا المصطلحين الآن يستعمل على نطاق واسع في عالمنا العربي، ولعله لا يغرب عن البال بأن كتاب القرآن الكريم نفسه يسمى أيضا المصحف لأنه في الأصل ضمّ العديد من الصحائف بين دفتيه وكلمة مصحف مثلثة الميم (مَصحف مُصحف مِصحف) أي أن الاستعمالات الثلاثة كلها صحيحة..

مغني اللبيب، لصاحبه اللغوي: ابن هشام

ولا بأس أن نذكر خطأ فادحًا آخر وقع فيه هذه المرّة عالم كبير في علوم الحديث الشريف وهو الشيخ الألباني، حيث ذكر الدكتور عبد العزيز بن علي الحربي تفاصيل ذلك في كتابه «لحن القول» على أن الشيخ كان رفقة بعض من تلامذته وكاد يقع لهم حادث مرور فصاح طلبته بالقول «يا ساتر!» فاعترض على قولهم وقال لهم مصححا لا تقولوا «يا ساتر» بل قولوا: «يا ستِّير». لأنه لا يوجد من بين أسماء الله الحسنى اسم الساتر! وأضاف موضحا بأن أسماء الله جامدة ولا يشتقّ منها وصف، وهذا كما هو واضح بجلاء خطأ كبير من هذا العالم المعروف بصرامته ودقّته، لأننا نصف الله عز وجل براحم الضعفاء والمساكين وليس في أسماء الله اسم الراحم بل هناك الكثير من الأوصاف المشتقّة من أسماء الله الحسنى أصلا ولا ندري من أين جاء الشيخ الألباني بفكرة الجمود هذه الغريبة العجيبة، وأكيد أن هذا الحكم من الاجتهادات غير الموفّقة التي لا تصمد أمام التحليل الدقيق، ويبقى إذن لقوة الاستعمال نفوذها اللغوي ولذلك قيل «خطأ شائع خير من صحيح مهجور».

لكن الاستعمال إذا جاوز الضّوابط المتعارف عليها مات وانطفأ سريعا على طريقة ما ورد عن علي بن أبي طالب الذي عبر في إحدى مواقفه بأسلوب طريف للغاية قائلا: «ماتربعلبنت قط أي ما شربت اللبن يوم الأربعاء قط، وما تعمقعددت قط أي ما تعممت وأنا قاعد قط!».

ولا يذهب الظنّ بنا بعيدًا فنعتقد أن ظاهرة ازدواجية اللغويين في معايير أحكامهم تقتصر على العرب فحسب، حيث نجدها شائعة لدى الكثير من اللغويين في العالم أجمع.

و لنأخذ على سبيل المثال اللغوي الفرنسي الشهير مارسيل كوهين(Marcel Cohen)، الذي عمل مدققا لغويا في صحيفة «لوموند» إبان الخمسينيات، حيث استنكر استعمال كلمة(photogénique)، ووصفها بأبشع النعوت. لكن هذه الكلمة صارت اليوم من المفاتيح اللغوية في علم الاتصال وجماليات التصوير الفوتوغرافي، وهذا ما يثبت أن الاستعمال الصحيح ولاسيما على يد الكتاب والصحافيين المتميزين يفرض منطقه الحاسم مع مرور الوقت.

وهناك من الكلمات من تغيّر مدلوله من النقيض إلى النقيض على ضوء هذا القانون، قانون الاستعمال، مثلا الكلمة الفرنسية(rien) مشتقة من الكلمة اللاتينية(Rem) التي تعني «شيء ما» وهي اليوم تعني «لا شيء». وكلمة(école)مشتقّة من الكلمة اليونانية(schole)التي تعني أصلا «الراحة واللعب واللهو»، قبل أن تأخذ مسارها الحديث ويتغير مدلولها إلى ما هو متعارف عليه الآن.. فتأمل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …