السبت، 4 يوليو 2020

مصطفى فرحات يكتب: في البدء.. كانت جونفييف

  • من هنا؟
    مصطفى فرحات
  • أنا
  • أكرر.. من هنا؟
  • هذا أنا.. ألم تسمعني؟!
  • ومن تكون هذه الـ«أنا»؟
  • ما أقصر ذاكرتك!
  • ليست بقصر لسانك.. كان يمكن أن تمنح أناك اسما لتكفينا شرّ هذا الجدال العقيم.
  • فكّر جيّدًا.. ألا توحي لك هذه النّبرة بشيء ما!
  • ثمة شيء مألوف في هذه النبرة.. لكنني لا أتذكّر لمن تكون.
  • حاول.. سأمنحك بعض المؤشرات.. مثلاً.. مثلاً.. باريس..
  • وما بها باريس؟
  • لا تعجل.. فندق البلازا..
  • لم أنزل به يومًا!
  • لكنك نزلت في كل فنادق باريس الفخمة، إلا هذا!
  • لا تذكّرني.. كان يمكن أن يكون الوضع أسوأ لو نزلتُ فيه!
  • لم؟
  • أعطتني موعدا في إحدى غرفه.. كان فيها شيء مريبٌ تلك المرأة.. شيء مُغرٍ ومُخيف في آن. لم أفهم سرّ توددها الغريب إليّ من بين كل الجالسين في المقهى. كانت ترمقني بنظرات مليئة بالرغبة.. مرّت أمام طاولتي وعندما تجاوزتني بقليل سقطت من يدها فاتورة كانت تحملها، أو أسقطتها، ثم انحنت لالتقاطها.

أعترف أنني بقيت مشدوها لفترة.. تينك السّاقان، لم أر قطّ أنعم منهما، حريريتا الملمس.. وذاك القوام..

أذهلني قوامها.. ماذا أقول في وصف تلك الغادة؟ يعجز التّعبير عن دمج المعنى المتخيّل باللفظ المنطوق.. تخيّل طرافة هذا المشهد: انجذابي للفتاة الجميلة (جونفييف) [هذا هو اسمها الذي عرفته بعدُ] حجب عنّي كل ما تعلّمته في الضّفة الأخرى..  بين باريس ولندن.

عندما استحضرتُ ذلك المشهد الذي سجّلته الذاكرة بأدق تفاصيله [ماذا تريد أن أقول لكَ.. أنني استعصمتُ بالنُّسك حينها وأغمضت عينيّ.. أبدا!! بل كانتا مفتوحتين (إلى الآخر) وسجّلتا تفاصيل المشهد بالتصوير البطيء!] عندما استحضرتُ ذلك المشهد، قفز عليّ وصف امرئ القيس لإحدى خليلاته (كأنها خطّ تمثال)..

فجأة تلاشى أوسكار وايلد وبودلير وفلوبير، ولم تصمد سوى عبارة «الشّاعر الضّليل» أمام حسنها.. (خطّ تمثالِ)..

تساءلتُ حينها: هل رأى امرؤ القيس تمثال فينوس أو أفروديت ليقرن بين حسن حبيبته وجمال المنحوتات التي مثّلها الفنّ اليوناني؟ (امرؤ القيس في باريس).. أمممم.. هذا موضوع مُغر بالكتابة عنه! ماذا لو قفز ابن حُجر الكِنْدي قفزة كبيرة في الزّمن، ليجد نفسه في مدينة الجنّ والملائكة بدل القسطنطينية التي زارها طالبًا عون قيصرها على بني جنسه!

هل الخيانة جين عربيّ أصيل، أم أنه الشعور بظلم ذوي القربى يدفع الإنسان بالانتقام من نفسه عبر الانتقام من قومه؟ ثمّة أكثر من حاكم عربي يمكنه أن يُجيب عن هذا ذات يوم!

  • [جونفييف]..
  • حسنا حسنا، لم يعجبك كلّ ما قلته، فقط جونفييف هي ما يُحرك شوقك إلى هذا الكلام! ولكن قل لي من تُراك تكون؟
  • [جونفييف]..
  • تبًّا.. لو كان لسانك أطول قليلا لأغنيتني عن كلّ هذه الكلمات المتدثرة بالذكريات.
  • [جونفييف]..
  • مهلاً.. مهلاً.. ما الذي تريد أن تعرفه عنها؟

هل كانت جميلة؟.. سأقول لك يا صديقي [رغم أني لا أعرف من تكون.. اسمح لي بمخاطبتك بالصّديق، ولو مؤقتا].. كانت أجمل ما رأيت في حياتي. أعرف أنني لستُ «معيارًا» ذكوريا، فلكل رجل ميوله وأذواقه، لكنني وفق معياري الشخصي أعتبرها أجمل ما رأيتُ.. أليس الجمال في نهاية الأمر مسألة شخصية؟ تخيّل لو أن جميع أصدقائك يقسمون أغلظ الأيمان بأن خطيبتك بشعة، بينما كنت تراها بجمال شارليز ثيرون مثلاً.. ما الذي خلتني سأقوله: بجمال كليوباترا!.. لم أرها يا صديقي [اسمح لي بمناداتك بالصّديق] ولو رأيتها قد لا تكون بذلك القدر الأسطوري من الجمال. ألم تقل دراسات حديثة إن سيدة مصر لم تكن جميلة فعلا؟ المهم.. لا يسعني سوى الحديث بما أعرف.. لهذا قلت لك إنها أجمل من شارليز ثيرون.

أعترف أن لديّ ميلا أكبر نحو الشقراوات.. نيكول كيدمان؟ ربما عندما كانت في أوج ألقها قبل فيلم «الطّاحونة الحمراء»، وقبل أن يسرق منها الزّمن بعض ماء الحُسن!

حسنا حسنا.. أكثرتُ من الاستطراد ولا داعي لأن تذكّرني بذلك.. هل تعلم أن الاستطراد فنّ قائم بذاته؟ وأنه لولا الاستطراد الذي يحلّق بين الموضوعات كما تحلّق النّحلة بين الأزهار لما استطاع أحدٌ أن يقرأ كتابا.. اسأل الجاحظ لو أردت.. لا أقصد أن تسأله شفاها، فالرّجل قد مات منذ ألف ومائتي سنة، ولكنني أقصد أن تسأل كتبه.. أن تقرأ فيها قليلا وتقترب من أسلوبه المُبدع.

لا.. لا تقل [جنييف] مرة ثالثة، سأخبرك بما تودّ معرفته، ولكن فقط تحمل ارتباكي، فأنا لا أعرفك بعدُ حتى أخلع حجاب التّحفظ معك!

أين كنّا.. آه نعم.. قلت لك إنها أجمل من شارليز ثيرون. أو هكذا أراها أنا. هل تعلم أني أحتفظ بقائمة دوّنت فيها أسماء أجمل عشر نسوة قابلتهن في حياتي! لا أقصد أنني لم أقابل سوى عشر جميلات، ولكنني كنت أحدّث القائمة باستمرار.. فكلما دخلت امرأة جميلة حدّ الإبهار إلى عالمي وتفوقتْ على بعض من في القائمة [حسب ذوقي طبعا، أليست القائمة قائمتي أنا؟!] كنت أعيد ترتيب الأسماء من جديد ولو استدعى الأمر حذف أسماء نالت حظوتها عندي سابقا.

خذ مثلاً أماندا.. كانت في المرتبة العاشرة، تلك الأمريكية الجذّابة.. سأقول لك شيئا لم يعد سرًا: ما يُشاع من أن الأمريكيين غير جميلين أمرٌ خاطئ تمامًا، لو نظرت إلى أماندا لغيّرت رأيك، كما غيّرتُ أنا رأيي حين تعرّفتُ إلى سوزان في لندن..

كسرتْ سوزان قاعدة أن الإنجليز يفتقدون للجمال.. لم تكن إنجليزية بالمعنى الإثني.. كانت أسكتلندية، ولكن هذا موضوع آخر.. المهم.. بمجرّد ما دخلت جونفييف القائمة، وتصدّرتها، وجدت أماندا نفسها خارج القائمة.. كانت جميلة أماندا، ولكن لم يكن ذنبها سوى أن القائمة لا تتضمن غير عشرة أسماء..

أعرف.. أعرف.. ستقول لي [جونفييف].. مجددا!

حسنا.. قلت لك إنها كانت أجمل من شارليز ثيرون، وأنها تصدّرت قائمة الجميلات العشر التي أحتفظ بها في مكان خاصّ جدا.. لا تسألني أين هو لأنني لن أخبرك، أرجو أن تحترم خصوصيتي وأن لا تُلحّ عليّ في الموضوع. سأخبرك ببعض من كان في القائمة، ثلاثة أسماء أو أربعة.. حدّثتك من قبل عن أماندا.. كانت من كنساس.. نعم من بلد دوروثي التي حملتها العاصفة إلى عالم السّاحر أوز.

لا تقل لي إن أماندا خارج القائمة.. لا يهمّ ذلك. وهناك جونفييف طبعًا، وسنعود للحديث عنها لاحقًا.

هناك سوزان.. وقد حدثتك عنها.. هي أسكتلندية تعيش في لندن. وهناك روز، وهي من الفلبين، من منطقة ميندناو.. أعرف.. قلت لك إنني أميل إلى الشقراوات، لكن روز كانت استثناء آسياويا جميلا! وهناك أولغا.. أوكرانية تقيم في ليون.. لن أحتاج إلى تذكيرك بجمال الأوكرانيات!

  • [جونفييف!]
  • أووووف! ما الذي تريد معرفته عنها، أخبرتك باسمها، وبكونها أجمل من رأيتُ في حياتي، أو على الأقل هذا ما أشعر به إلى الآن، فالقائمة ليست مغلقة وهي جاهزة للتحديث في أي وقت. عملها: كانت طالبة في كلية الطب صباحًا، ونادلة مساءً.. نعم كانت نادلة، ألم أقل لك إنها أسقطت فاتورة كانت تحملها وانحنت لالتقاطها أمامي؟ أظن أن ما ذكرته أكثر من كافٍ لكي تُخبرني من تكون؟
  • أما زلت لم تعرفني بعدُ؟
  • قلت لك من قبل: صوتكُ مألوف بشكل ما.. لكنني لا أستحضر شخصًا يحمل هذه النبرة.
  • أين تجلس الآن؟
  • في صالة البيت، قبالة التلفزيون؟
  • وما الذي تفعله؟
  • لنقل إني أحاول أن أفعل أشياء كثيرة في الوقت نفسه؟
  • مثل ماذا؟
  • أنا أجلس قبالة التلفزيون.. ثمّة فيلم يُعرض على قناة «أو أس أن موفيز بريميير2»، الفيلم يحمل اسم «Runway»، وألقي بين الفينة والأخرى نظرة على حسابي في فايسبوك.. طبعا هناك الجهاز اللوحي الذي أقرأ فيه..
  • ما الذي تقرأه؟
  • «فنّ الرواية» لميلان كونديرا.. وشيئا من كتابات فرانز كافكا.. رسالته إلى والده على رأس القائمة.. لا.. ليس لديّ قائمة بأحسن الكتب التي قرأتها كما أملك قائمة بأجمل النساء اللواتي التقيت بهنّ! لكنّها فكرة جيّدة أن أضع قائمة للكتب أيضا.. فقط أحتاج إلى أكثر من عشر مراتب.. صعب جدًا ترتيب الكتب حسب أفضليتها. هل تعلم أن لكل كتاب ميزاته الخاصة، ملامحه، شخصيته، وأن تفضيل الكتب يرتبط بحالتنا النّفسية أكثر من جودة الكتب ذاتها.. أجل أوافقك أن ذلك يشبه إلى حدّ كبير حكمنا على النساء بالجمال والدّمامة. لكنّك لم تخبرني بعدُ من تكون؟
  • لنقل إني سأترك لك متعة استكشاف ذلك لوحدك..
  • هذا ليس عدلا.. فقد أجبت على أسئلتك كما لم أفعل مع أحد من قبل.. !
  • ألم تلحظ ميزة هذه الثرثرة بعدُ؟
  • بمعنى؟
  • ما الذي تفعله الآن بالتحديد؟
  • أكتب..
  • ما الذي تكتبه؟
  • مجمل ما دار بيننا من حديث..
  • لا فضل لي فيه سوى أني طرحت بعض الأسئلة.. لنقل إنه حديث أحادي، وليس حديثا مشتركا.
  • لم أفهم!
  • حاولت تحفيز خيالك الإبداعي بطرح أسئلة لا تقوى على البقاء صامتًا أمامها.. هل تعلم أن للأسئلة سلطة غريبة على الإنسان لأنها تدفعه للبوح أكثر مما لو تُرك له خيار الكلام ابتداءً؟
  • كأنك تشير إلى الوصية الحادية عشر [وفق ما قاله كونديرا في رواية الخلود] حين اعتبر أنها تقول (لا تكذب)! هل هي إشارة إلى كونك صحفيًا تُطالب بحقّك في طرح الأسئلة، وبحقّك في إجابة الآخرين عليها؟
  • لا يهمّ من أكون.. المهم هنا هو أنني استثرتك فكتبت نصًا ما كنت لتكتبه لولاي!
  • هل لي أن أكون ممتنا.. أم غاضبا لأنك ترفض التعريف بنفسك.
  • ألم أقل لك منذ البداية أنني «أنا»؟
  • بلى، ولكن الضّمير أكثر إيغالا في الغموض.. «أنا» ضمير مشترك يمكن لكلّ أحد أن يدّعي امتلاكه!
  • ها قد تقدّمت خطوة نحو الأمام.. لنقل إني «ضمير» ما.. ليس بالضّرورة مشتركا، لكنه (ضمير مُحفّز).
  • مُحفّز على ماذا؟
  • على اكتشافك موهبتك التي دفنتها بين جنبيك.
  • هل لي أن أشكرك إذًا، أيّها الضّمير المُحفّز.
  • لنقل إنني ابتداء لا أريد الشّكر.. أو أريد شكرًا من نوع خاص ستعرفه لاحقًا. توقّف عن البحث عن كينونتي أنا إن كنت تريدني أن أمارس دور الأركيولوجي معك.. فقط لا تتركني بعد اليوم أستمع لقصصك خلف باب موصد.
  • حسنًا.. أشكرك إذًا أيها (الضّمير المُحفّز)! على الأقل جعلتني أكتب نصًا لم أكتب مثله منذ سنوات.
  • سأُعدُّ إذًا قائمتي الخاصة، قائمتي الجمالية التي استوحيتُها منك، سوف أضع فيها أجمل عشر مواضيع ستكتبها أنت!
  • انتظر.. سأفتح لك الباب الآن.. أريد أن أراك قبل أن تغادر.

لكنّ الضّيف اختفى.. ولم يبق سوى أثر أسئلته العالقة في ما كتبتُه.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …