السبت، 4 يوليو 2020

الكلمات.. مرايا سحرية وصناديق أسرار!

رشيد فيلالي

يُعاني الأدباء أحيانا من ظاهرة نفسية غريبة، يطلق عليها مصطلح «قلق الورقة البيضاء».

حيث يُصاب المبدع بما يشبه الشّلل الذّهني المفاجئ، فلا يقدر على خطّ حرف واحد، كما لو كان ذهنه مغيبًا وعاجزا عن إنتاج الأفكار وتحويلها إلى كلمات على الورق(وجهاز الكمبيوتر أيضا).

ولأن الكلمة «صندوق أسرار» قد يفتح فيكشف لنا عن حقائق طريفة ومحيّرة للغاية، وعليه فإن السّؤال الذي يُطرح في مثل هذا السّياق يتعلّق بماهية تلك الصّلة القائمة ما بين «القلق والورقة البيضاء».

وفي اعتقادي أن اللغة الفرنسية (والإيطالية والإسبانية أيضا) تملك الإجابة عن هذا السّؤال المهم والجوهري.. كيف ذلك يا ترى؟

الجواب يكمن في أن كلمة الجنون الفرنسية(la folie)مشتقّة أصلا من كلمة «الورقة»(la feuille)، وهذه الأخيرة مشتقّة بدورها من الكلمة اللاتينية(folium)، ولا تزال هذه الصلة أكثر وضوحا كتابة ونطقا في الإيطالية والإسبانية(فوليا: foglia وفوليو: folio)!

لكن، رغم بحثي الطّويل حول سرّ هذه الصّلة العجيبة القائمة ما بين الورقة والجنون في اللغات لأوروبية المذكورة إلا أنني لم أجد إجابة حاسمة ومقنعة، لكن في كلّ الأحوال الصّلة كما نلاحظ موجودة ويمكن على ضوئها تفسير الكتابة والإبداع عمومًا بأنه نوع من التميّز والجنون أيضا!

ولأن الجنون فنون كما يقال، فإن الفرنسيين تفنّنوا في استحداث عدد كبير من أسماء الأشياء إلى درجة تستدعي التأمل والمناقشة.

على سبيل المثال، يوجد في الفرنسية 75 اسما للأحذية  فقط! ومن بين أسماء هذه الأحذية ما يُضحك ويثير الدّهشة والذهول. نسوق بعضها هنا للتّدليل على صحّة كلامنا، حيث من بين الأسماء نجد: «بغل البابا»(mule du pape) و«ساحق البراز»(écrase-merde)، «كلاب كلاب»(clap-clap) و«الأرجل الحافية»(nu-pieds)، والقائمة لا تزال طويلة من هذه الأسماء الطّريفة للغاية الخاصة بالأحذية الفرنسية.

ومع ذلك، هناك من ينتقد بشراسة اللغة العربية لأنها تملك أسماء بالمئات وحتى الآلاف للأسد والداهية والسيف.. ولا يجد حرجا في شيوع مثل هذه الظاهرة نفسها في اللغات الأوروبية العالمية؟

وليس هذا فحسب، إذ نجد هناك من ينتقد أي نوع من الاجتهاد اللغوي مثل استعمال أداة النّفي «اللا»(اللانهاية، اللاانضباط، اللاوعي.. إلخ) في بداية بعض الكلمات لكونها ليست من أسلوب وطبيعة اللغة العربية رغم أن هذه البادئة«Le préfixe»(اللا)أثرت العربية برصيد هائل من الكلمات الجديدة. ثم أن الكثير من اللغات وجدت في مثل هذه الابتكارات اللغوية الذكية حلولا جذرية لسدّ عجزها من المصطلحات الضرورية في الكثير من المجالات العلمية والفنية والفلسفية والتقنية..

حيث نجد في الفرنسية استعمال فعل جديد لم يكن موجودا من قبل و ينتهي بـ(iser) مما خلق أفعالا جديدة على غرار: fidéliser, franchiser, mediatiser…

الكلمات في رحلات تحوّل دائمة

والطّريف في الموضوع أن الفرنسيين ذهبوا بعيدًا في هذا المجال متأثرين باللغة الإنجليزية إلى درجة استحدثوا فيها كلمات جديدة قد تبدو وأنها مقترضة من هذه اللغة، غير أنه لا وجود لها في لغة شكسبير إطلاقا بالاستعمال الشائع في الفرنسية الآن. ولنقدم أمثلة على ذلك كلمة«parking»(موقف السيارات). والاستعمال المعروف في الإنجليزية هو (car park). كذلك نجد كلمة «zapping»، التي كانت تعني أولا تغيير القنوات أثناء تقديم الوصلات الإشهارية ثم عمّمت لتشمل أي برنامج تلفزيوني، وقد تبدو الكلمة مشتقة من الفعل الإنجليزي(To zap). لكن هذا الفعل الإنجليزي يعني «هجم وضرب بقوة».. في حين أن تغيير القنوات بالإنجليزية يقابله فعل(To change channels) وعليه فإن الاستعمالين المذكورين قد يبدوان إنجليزيين وهذا غير صحيح، بل هما من شطحات الفرنسيين فقط!

ولأن الفرنسيين على المستوى اللغوي غريبو الأطوار فعلا، لا بأس أن نسوق هنا مثالا آخر لا يقلّ طرافة وغرابة، وهو في الحقيقة لغز آخر يُضاف إلى الألغاز اللغوية الفرنسية التي تكشف عن عقلية خاصة لدى هؤلاء الأوروبيين بالذات، الذين يرون في الآخر هدفا للنّقد والسّخرية، في حين أنهم لا يكفّون عن الذّهاب بعيدا في «خرجاتهم» العجيبة..

على سبيل المثال، نحن نعلم بأن ممثلي الحركة النسوية في العالم الغربي وفي فرنسا تحديدًا اجتهدن في تأنيث عدد كبير من المهن التي كانت تستعمل بصيغة المذكر فحسب، وهذا من باب الإنصاف والعدل والمساواة ما بين الجنسين. لكن المفاجأة غير المتوقّعة بتاتًا أن تأنيث أسماء المهن عرف نجاحا كبيرًا على مستوى المهن البسيطة والعادية فقط، لكن المهن العليا ذات «البريستيج» الاجتماعي، فقد عرفت امتناعا وصدودا في اختيار الصّيغة المؤنثة منها، حيث كشف تحقيق أجري في هذا الشّأن أن 80 في المائة من النساء اللائي تحصلن على شهادة في الصيدلة يفضلنا لقب (Madame le pharmacien)على لقب(Madame la pharmacienne)! ونفس الشيء نجده في ألقاب مثل: compositeur, ingénieur, metteur en scène..

كما أن تأنيث ألقاب على غرار: docteresse, avocate, directrice.. ليس مستحبًا أيضًا عند ممارسات هذه المهن وكل هذا يطرح علامة استفهام كبرى.. فتأمل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …