السبت، 4 يوليو 2020

محمد بن جبّار: هذه هي قصّة الحرْكي

محمد بن جبار

صدرت، أخيراً، رواية «الحرْكي»(منشورات القرن 21، الجزائر) لمحمد بن جبّار، وهي روايته الثّانية بعد «أربعمائة متر فوق مستوى الوعي».

في عمله الجديد، يحاول بن جبّار (1965-) مقاربة واحداً من المواضيع الحسّاسة، في البلد، يروي قصّة حرْكي، ومن خلاله يستعيد تاريخ المغضوب عليهم في الجزائر. فيما يلي، مقتطف من أجواء الرّواية:

 

«أنا أحمد بن شارف، من مواليد 1936. متقاعد من الجيش الفرنسي، مقيم ﺒ«دنكيرك»، بشمال فرنسا.

أتواجد يوميًا في نهج الجيش الذي ينتهي عند الميناء التّاريخي، تقاعدت بصفتي شبه عسكري سنة 1988، بطلب مني، وضعت حدًا للجندية. رحلت مثل آلاف الجزائريين الحركى والفرنسيين واليهود إلى فرنسا، اخترت الرّحيل، لم يكن لي خيار آخـر، لم أتردّد لحظـة في توديع هذا البلـد، لـولا أمي التي جعلتني أفكّر قليلا وأتريّث في قرار الرّحيل وألتفت قليلا إلى الوراء.

لكنّي رحلت، اخترت مصيري، في حين كثير من أقراني لم يحصل لهم شرف تحديد مواقفهم، اخترت فرنسا، أحببتها، تشربّت روحها، اعتنقتُ أفكارها، تكلّمت لغتها وتجنست، استفدت من الرعايـة ومن الامتيازات الاجتماعية والمهنية والصّحية. أنا الآن تحت رعايـة مدام «فاني بوركي»، بالديوان الوطني لقدماء المحاربين وقد أُصبت بأمراض الشيخوخة وقد شجعتني على كتابة مذكراتي عن الجزائر، تجسيدا للذاكرة وللتاريخ في مساعيهما لأجل التّخفيف من التوتر الذي ينتابني في أوقات عزلتي. ساعدتني كثيرا في كتابـة هـذا النص ورافقتني طيلـة سنتين ونصف السّنة في الإشراف المباشر ومناقشة كلّ فقرة من فقرات المخطوط دون أن تتدخّل في كتابته أو في التغيير الذي طرأ عليه.

تعمّدت أن أتخلص من «جزائريتي» ليس انتقاما أو كرها، أريد أن لا يكون هناك حنين، لم أوفّق بعد. بعد مرور كثير من السنين، مازال أصدقائي ينادونني «بن شارف الحرْكي» أو الحرْكي ببساطة، لا تحرجني هذه التسمية إطلاقا لأن ما أراه الآن في بلـد العرب من تدمير ذاتي وتحطيم مقدرات شعوبهم وبيع بلدانهم وثرواتهم وأحيانا الاستعانة بجيوش الغرب يدعو للسخرية، الخيانة لا تكون إلا إذا كانت جماعية أما الخيانة الفردية فهي موقف. اتخذت موقفا يوما ما، ودخلت في الصّف الفرنسي ووجدت نفسي في خضم أحداث الجزائر.

انتقمت بطريقتي، إذْ كنت أسكن في أحد دواوير غابة سيدي عبد العزيز، يتيم الأب، توفي أبي في ظروف عادية، كنت شابًا في العشرين من العمر، درست التعليم القرآني والتعليم النظامي بمدرسـة زمورة وبعدها انتقلت إلى غليزان لإكمال تعليمي المتوسط، لظروف الفقر والحاجة عدت إلى مسقط رأسي. وجدت أمي تبكي!! أدركت أن القطعـة الأرضيـة التي كانت للمرحوم أبي استولى عليها عمّي، ضمّها لأملاكــه، لم يتبق لنا عينُ تعيل أسرتنا الصّغيرة، أمي وأختي التي تصغرني بأربع سنين وأنا.

غلاف رواية الحرْكي

عمّي أصبحت لـه هيبـة بعد صعود ابنه إلى الجبل، يرهّب به أهــالي الدوّار في كلّ مناسبة، لم يبق لنـا إلا ذلك الحيّز الصّغير أمام البيت، أشبه برصيف بيت في المدينة، لا أحد يجرؤ على عمي ولا أحد يخالفه الرّأي في مسألة الاستيلاء على قسمة أبي، الكلّ يتخوّف منه، حتى شيخ الجامع اعتبره شأنا داخليا، يستوجب السّكوت عنه وصرف النظر. أنا لم أسكت و لم أصرف نظري.

بعد أيام، انتقلنا ﻟ«الفيلاج» عند أهل أمي، نار الحقد اشتعلت في قلبي، عملت في مقهـى هناك ثم عند حرفي ثم كاتبا عموميا ثم التحقت بلاصاص «كنــاندة»، انتقمت من عمّي أشدّ الانتقام، ضربته ضربًا موجعًا إلى حدّ أفضى به إلى الموت، تركته مرميا في الوادي وهــو عائد من السوق. هنا انتهت عـلاقتي بالوطن وانتهت علاقتي بالأهــل.

بعدها طلبتُ الانتقال إلى لاصاص عين الحلوف، لحسن حظّي أنه تمت الموافقة على لاصاص عين الحلوف. في بداية الأمر كنت أعمل في نادي الجنود ثم انتقلت مباشرة كخادم شخصي للنقيب مونترويْ، تطوّر الأمر أن أصبحت سائقه الشّخصي ومرشده، أحببتُ النقيب وكسبت ثقته، اتخذني ولدا له وصديقا له ومؤنسا له، تفتحت عيوني على فرنسا، شعرت أن «لاصاص» هي عائلتي الوحيدة والنقيب مونتروي هــو أبي، انضمامي إلى المخازنية جاء في وقت متأخر، كان في أواخر سنة 1959، لم ألبس البزّة العسكرية مثل المخازنية و لم أحمل السلاح»..

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

آمال عمر تكتب: الشّيفرة

تَتوقُ كُلُّ امرأةٍ إلى الزّواج بمَن يَنشُدُهُ القلبُ ويرضَاهُ لإنشاء أسرة تُحقّق فيها ومعها كَيانَها …

سلالم ترولار

سيرة العطب وصناعة الآلهة

محمد بوزيان يواصل سمير قسيمي مساره التّأسيسي لسردية لها هويتها المفتوحة برؤية تتجلّى بالاشتغال المستمر …