الأربعاء، 26 فبراير 2020

هكذا ضاعت اللغة العربية في الجزائر!

أحمد عاشوري

سياسة التّعريب لم تخدم اللغة العربية

ما يميّز هذه الثّقافة التي لا تختلف عن الثقافات الأخرى، هو طموحها الدّائم للوصول إلى المطلق أو الطوباوية، غير أن واقعها مركّب ومعقد ومتداخل.

ففي ثقافتها الشّعبية – مثلاً – نلاحظ تمرّدًا يصعب إلجامه، وثقلاً يجعل تكيّف الشّباب – على وجه الخصوص – في المجتمع الجزائري أمرًا صعبًا، خاصة فيما يتعلّق بالثّقافتين الدينية والسياسية، وطابعهما التقليدي، يتميّز بالعنف المبرّر أحيانا عندما يتعلّق الأمر بالشّرف والكرامة، وأحيانا أخرى لا مبرر له سوى الحرمان والظلم.

الأحداث التي جرت في هذا البلد  شاهدة على ذلك، فما عُرف عند السّاسة بالعشرية السّوداء يمثّل أحد أهم ملامح العنف، الذي وإن بدا بادئ الأمر سياسيًا ودينيًا، سرعان ما تحوّل إلى آفة وعدوى لاسيما في البلدان المجاورة، من اضطرابات واحتجاجات، فبدا المجتمع الجزائري في بعض فئاته مُحاكيا ومستجيبا للعدوى الجرثومية بتعبير غوستاف لوبون.

إن هذه المقدمة الحاضرة الاضطرارية قد تعطينا صورة شديدة الوضوح عن التغيّر الذي طال هذه الثّقافة، التي لم تكن تعرف هذا العنف، وهذا الضّياع – كما عليه الآن –، لقد كانت بسيطة لكنها مفهومة ومهضومة من الكلّ.

طيلة تاريخها وبالرغم من كلّ ما مرّت به لاسيما تلك الحقبات الاستعمارية من العثمانيين والفرنسيين، إلا أنها كانت محافظة على هوّيتها ودافعت عليها بشراسة  ورغم كل هذا الـدفاع والاستماتة إلا أنها وقعت في فخّ الثنائية القاتلة، يتجلّى ذلك في أحد أهم عناصرها الهوياتية وهي اللغة.. فانقسم نخبتها وحتى شعبها بين المعرّبين والمفرنسين، ولئن كانت اللغة الفرنسية غنيمة حرب – بتعبير كاتب ياسين – إلا أنها كانت نقمة وسببًا في انقـسام كان يمكن أن لا يكون لو نجحت أو كتب النجاح للتعريب، والذي جاء بنتيجة قرار سياسي منعزل عن آليات وتطبيق هذه السياسة.

وكتوضيح لهذه النّقطة، عندما نعود إلى ماضٍ، ونريد أن نُحاكي فيه بلدان من المغرب العربي – مثلاً – نجد أن التعريب فيها لم يكن «بقرار سياسي»، وحتى الخطاب السياسي فيها لم يكن ليجرأ على رفض مبدأ التعريب، بل عمدت إلى استشارة نخبتها المثقفة في إنجاز هذا المشروع، أما في الجزائر فإن السلطة السياسية تعمّدت إبعاد النّخبة وتحييدها في محاولة إنجاز «مسيرة التعريب»، ذلك أن هذه المسيرة قد أعتبرت لدى الحزب الحاكم بمثابة استمرارية لثورة التحرير، التي بدورها همّشت المناضلين الفاعلين وأبعدتهم، لهذا كانت التجربة الجزائرية آخذة في منحى إيديولوجي سياسي طغى عليه الطابع الحماسي والعاطفي، رغم محاولتها إشراك الجميع في هذا ولكن بترديد شعار «التعريب هو قضية الجميع» كما يذكر هذا الأستاذ مصطفى ماضي.

إن ما كتبه جمال غريد عن الاستثناء الجزائري، من خلال دراسته وأبحاثه التي اشتغل عليها خاصة فيما عرف بثنائية النخبة في الجزائر، دليل على أهم مشكلة عويصة واجهتها الجزائر، ولا تزال تواجهها، لذا لا يمكن أن نتحدّث عن طبيعة الثقافة الجزائرية دون أن نشير إلى هذه الثنائية التي انعكست على الإنسان الجزائري في حياته اليومية، فوظيفة اللغة في المجتمع الجزائري هي وظيفة انتقائية، حتى أصبح الذي لا يتقن اللغة الفرنسية مرفوض اليوم من صيرورة التنمية في الاقتصاد.

ولئن كان النّدم عند المعربين أو بالأحرى ضحايا التعريب، يعصر قلوبهم، فما يثلج صدورهم – نوعا ما – هو تلك الخيبة في أمور كثيرة، بالرغم من الاعتماد على الفرنسية، فليست اللغة هي الوسيلة الوحيدة للتنمية كما كان يعتقد الكثير من النحويين..

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

حراك: صحوة البركان الجزائري

حراك: صحوة البركان الجزائري

مئة سجين رأي لخفض وهج المواكب، تحاول السلطة منذ الصائفة منع سكان باقي المناطق من …

التّصوير العاري في الجزائر.. الجسد فنون

التّصوير العاري في الجزائر.. الجسد فنون

كريمة.أ.نواصر جيل جديد من الفنّانين عايش عشرية الذبح في تسعينيات القرن الماضي يُحاول ترميم ملامح …