الأربعاء، 26 فبراير 2020

نصيرة محمدي تكتب: امرأة في كتاب

نصيرة محمدي

بعيدا عن كل الوصفات الجاهزة، صار عليّ أن أتدبر أمري، وأقتات على متع صغيرة، وأشياء بسيطة تؤثث اللحظة. صار بإمكاني أن أمدّ جسدي ببعض القوت والنضارة، أنا الزاهدة المهملة التي تنفر على الدوام من واجبات الأنثى التاريخية. صرت منتبهة لهوامش تشكل سرّ الحياة وبهجتها. صارت رائحة المطبخ عودة إلى رفاهية العائلة ودفء الغرف وأصوات المكان الذي صار يملأه الغياب والصمت. رائحة الخبز المنسي التي تجلدني لتذكرني بيدي أمي وحنانها المتدفق في الطعام والعطور الراقية لتورثني هذا الجنون السعيد. متعة النظر إلى سلل الفواكه الملونة كزهر القلب، وبذخ ابي اليقظ العارف بأحوال الطفلة وشرودها المحير. كم اهترأت بعد كل هذا العمر ركضا وراء المستحيل يا أبي، وكم صار الحضن حارقا يا أمي؛ وانا أنزف هكذا حروفي في صدر هذا البيت المكابر كدموعي المسفوحة غربة واشتياقا وظمئا لنظرة واحدة من عيون الرحيل.

احترق قلبي وهامت روحي ترتجي موتها ولكن الموت خذلني وخذلت الحب الذي يطرق بابي و أنا أصدّه في كل مرة وفي كل خطوة. حداد طويل أسود.. لم يعد بمقدوري أن أكون أميرة في هذا الكون وقد تقوضت مملكة روحي.. لم يعد ممكنا أن أحملني وأنا جثّة محترقة مرمية في أطراف العالم.. الرجل الذي ملأ عالمي وسكن عمري ووهبني أفراحا نادرة مضى تاركا نظرته الأخيرة في عيوني وخفقتة الخاتمة في قلبي ويده في يدي.. يدي الباردة من دونه بيتنا البارد أيضا غرفته.. حيث صار كل شيئ وحيدا وباردا.. الجدران والستائر والأسرة والأواني وعباءته وفستاني الأزرق وشعري الذي بدون أصابعه جف كما جفت روحي.. ولكنك أتيت أيها الرجل من حيث لا أحتسب واندلقت روحك في من كوّة سرية وحدقت في جسدي أستفز مسامه وألامس جراحه كيف طلع هذا الرجل بعد سنوات موات.. كيف راحت روحي إليه؟

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

ريلكه

أن تقرأ ريلكه بالعربية

محمد الصّالح قارف مرّت عشر سنوات على ترجمة كاظم جهاد لأهم الآثار الشّعرية لراينر ماريا …

الرواية الجزائرية تتألق في الجائزة العالمية للرواية العربية

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية هذا الثلاثاء، عن الروايات المرشّحة للقائمة الطويلة بدورتها للعام 2020، …