الأربعاء، 26 فبراير 2020

علم جديد يُجيب عن الأسئلة المحيّرة

رشيد فيلالي

منذ السبعينيات ظهر علم جديد، اختزل جملة من العلوم وحقّق ما يشبه الثّورة التي على ما يبدو لم تحقق بعد الصّدى المطلوب عندنا على الأقل، وإن كان الحال في الغرب على عكس ذلك، حيث بدأ هذا العلم يعرف تجاوبًا ملحوظًا مع ما حققه من طفرات هائلة قطعًا ستغير الكثير من القناعات الطبية والفلسفية والنّفسية والبيولوجية والقانونية والجمالية..

ليس في هذا من المبالغة في شيء! والعلم الذي أقصده في هذه الوقفة هو «علم الأعصاب»(La neurologie) نعم «علم الأعصاب»..!

حيث يضم هذا العلم «الجديد» الآن دراسة وظائف المخّ وتشريحه والتّصوير الطّبي (Imagerie médicale) و..قد صدرت حتى الوقت الراهن بحوث رائدة وثورية أحدثت انقلابا حقيقيا في المفاهيم لم يصل صداه كما قلت أعلاه إلى عالمنا العربي،  ولم نقرأ ما يدل على ذلك في ما ينشر وما يعلن عنه في وسائل الإعلام المختلفة.

ومن بين أهم الإصدارات في علم الأعصاب كتاب الباحث الشّهير الأمريكي من أصل برتغالي أنطونيو دامازيو (Antonio Damasio) الذي يحمل عنونا لافتا «Descartes’ Error»، حيث عالج فيه بطريقة عميقة وممتعة قضية قديمة حديثة وهي الفصل بين العقل والعاطفة وكأنهما عالمان منفصلان كلّ يعمل بطريقة مستقلة عن الآخر ولا يمكن المزج بينهما، في حين أكد الدكتور دامازيو ضمن كتابه المذكور أن العاطفة (l’émotion) حسب ما تبين الآن وفق ما توصلت له آخر الدراسات التجريبية المخبرية، لها دور حاسم في صياغة الأفكار وعملية التفكير عموما، بل أننا أحيانا نفكر بالعاطفة قبل أن نفكر بالعقل!

وأعطى الباحث نفسه دليلا قويا على صحة ذلك، حيث أوضح بأن عاطفة الخوف مثلا تجعل الإنسان بمعزل عن الخطر قبل أصلا أن يلجأ للتفكير العقلاني لإيجاد ميكانيزمات يحمي بها نفسه من هذا الخطر، وبالمختصر يضيف الدكتور دامازيو: «العاطفة تلعب دورا كبيرا في الحدس، تلك العملية المعرفية السريعة التي من خلالها نصل إلى استنتاج معيّن دون أن نعي تماما الخطوات المنطقية التي تؤدي إليها».

أنطونيو دامازيو، مختصّ في علم الأعصاب

ولم يتوقف الدكتور دامازيو عند هذا الحدّ، حيث أشار إلى زملاء له يجرون بحوثا معمّقة في علم الأعصاب ضمن مجالات وحقول مختلفة على غرار التجارب الجمالية (les expériences esthétiques)، ومن أبرز هؤلاء الباحث الفرنسي الكبير جون بيير شونجو(Jean-Pierre Changeux)، الذي أصدر هو الآخر كتابا في غاية الأهمية عام 2008 وهو«Du vrai, du beau, du bien: Une nouvelle approche neuronale».

وتجدر الإشارة في هذا السياق أن من بين أبرز ما توصّل له هؤلاء الباحثون أن الإنسان يتخذ في اليوم 6000 قرار، أغلب هذه القرارات تكون بدون وعي منه، وهو ما يعني أن للاوعي دور كبير في تسيير شؤون حياتنا اليومية، لكن هذا لا يعني أن العقل مغيّب تماما أو لا دور رئيسي له في تحديد مصيرنا، غير أنه ثمة كما يؤكد الباحثون في علم الأعصاب نسق في التّفكير يتم بدون تفكير عقلاني مثلما كنا نتصوّر من قبل، وقد أثبتت عمليات التصوير الطبي للمخّ بأن الإنسان عندما لا يفكر، هناك مناطق عديدة في المخ تأخذ في النشاط، الأمر الذي يثبت أننا حتى ونحن نتأمل فقط، فإن مخنا يعمل بنشاط ويستهلك أثناء ذلك كميات كبيرة من الأوكسيجين (أي 20 في المائة من الأوكسجين الذي يستهلكه الجسم كله!).

في المحصلة أن ما اكتشفه علم الأعصاب ويكتشفه اليوم يثير العجب ويقلب كل المفاهيم الكلاسيكية حول الجمال والحقّ واللغة والفنّ والشّعر والموضوعية، أي كل تلك المفاهيم المجرّدة التي مازال البعض يتهكم بالقول أنها غير قابلة للوزن واللمس والتجريب لكن هيهات.. كون فتوحات العلم تحقق في كل يوم خارقة من الخوارق طبعا لمن يسمع ويمعن النّظر.. فتأمل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …