الأربعاء، 26 فبراير 2020

صادق بن طاهر فاروق ﻟ«نفحة»: أسطورة الصّخرة الأسيرة

صادق بن طاهر فاروق

في باكورته الرّوائية «الصّخرة الأسيرة»(دار ميم، الجزائر 2016)، يسرد صادق بن طاهر فاروق واحدة من الحكايات التي تحوّلت إلى ما يُشبه الأسطورة، عن صخرة سقطت على رأس ضابط فرنسي عام 1852 وقتلته، فقامت الإدارة الاستعمارية – رغبة منها في تخويف الأهالي وترهيب الثوريين – بأسر الصّخرة ذاتها بأغلال، وإطلاق الرّصاص عليها، وظلّت تكرّر الفعل نفسه، بشكل عبثي، كلّ عام، في ذكرى وفاة الضّابط نفسه، لينتهي الأمر، بعد أكثر من قرن، باستقلال الجزائر(1962)، وخروج الفرنسيين منها، لتبقى الصّخرة ثابتة في مكانها، وحيدة كما كانت دائماً، شاهدة على أسطورة لم ترو كاملة، وضحية في آن لحكايات شفوية، يتقاطع فيها الواقعي مع المتخيّل..

ويُحاول الرّوائي صادق بن طاهر فاروق(صاحب جائزة نفحة للقصّة القصيرة، 2015) تحرير الصّخرة أولاً من «الأسر»، من ماضيها المثقل رصاصا، وثمّ من الحكايات الملفّقة والأحجيات التي صاغها الأهالي عنها، ليقصّ على القارئ السّيرة الأصلية لصخرة تختصر جزءاً مهماً من تاريخ مدينة الجلفة..

في باكورتك، تتحوّل صخرة إلى شخصية قائمة بحدّ ذاتها، تُحرّك الأحداث وتصل بين شخصيات، تنعتها ﺒ«الصّخرة الأسيرة»، بعد أسرها من طرف الجيش الاستعماري، لكنها كانت أيضاً أسيرة المرويّات الشّفوية، في مدينة الجلفة، التي حوّلت حكايتها من «العادي» إلى الأسطورة!

حقيقة الصّخرة الأسيرة أو ما يطلق عليها ﺒ«الحجرة المْباصية» أخذت طابع الحكاية عند سكان مدينة الجلفة (جنوب الجزائر) لتعدّد الروايات حولها.. بالنسبة لي، أعتبرها كرامة وأسطورة بحدّ ذاتها، وليست مجرّد صخرة عادية، و أنا اعتقد جازما أنّ الجماد يشعر ويحّب ويكره ويكافح مثلنا تمامًا، وبقاؤها على ألسنة النّاس دليل على تفرّدها وتميّزها واختلافها عن قانون الطبيعة.

تتقاطع الأصوات في الرّواية، وتتعدّد، كم لو أن قصّة الصّخرة ذاتها ليست ملك شخص واحد، ولا جيل واحد، بل هي إرث لأجيال.

الصّخرة الأسيرة تشكّل عامل توحيد بين أجيال اليوم والأمس التي ضحّت من أجل استرجاع الحرية، وهي الصّوت العميق المغروس في أيّ جزائري ثار ضدّ العدوان الفرنسي. لذلك، فهي إرث علينا صيانته والمحافظة عليه كي يكون شاهدا عبر الزمن و متوهّجا كالنار التي لا تنطفئ في أعين الأجيال القادمة.

كان الاستعمار ينظر للأهالي نظرة دونية، يصفهم بالبرابرة، حاول تخويفهم، والسّيطرة عليهم، رغم ذلك فقد قامت حركات احتجاجية، وأخرى ثورية، هل كانت حركات مخطّط لها، أم عفوية، نتاج ظلم ذاتي؟

الجلفة شاركت في الثورة التحريرية، تمت عمليات جمع الأسلحة والذخيرة، وتمّ تكوين لجان وفرق من الفدائيين والمسبلين، رغم أن قيادة الثورة أرادت أن تكون المنطقة مركزا للتّموين ومكان راحة لجيش التحرير الوطني. في الفترة الممتدة بين 1954 و1956 حدثت عمليات فدائية جريئة كتخريب المنشآت الاستعمارية وقطع خطوط الهاتف وتفجير سكة الحديد.. سنة 1956 تحديدًا كانت حاسمة إذ كُلّف عمر إدريس وزيان عاشور بالتمركز بجبل بوكحيل والبدء بتجنيد المجاهدين، والقيام بالتدريب والتسليح. وبعد مؤتمر الصومام صارت الجلفة جزءًا من الولاية السادسة وعُيّن العقيد علي ملاح قائدا لها، لكنه استشهد في سور الغزلان وصار على إثر ذلك زيان عاشور (ابن المنطقة) القائد العام لها. ولم يمرّ وقت طويل حتى أستشهد هذا القائد (1956)، وخلفه العقيد سي الحواس كقائد للمنطقة، وعمر إدريس رائدا سياسيا لها وقائدا لمنطقة الجلفة وما جاورها التي كانت تابعة للناحية الثانية من المنطقة الثانية للولاية السادسة.

غلاف الرّواية

الرّاوي الفرنسي ينقلب، في النّهاية، ضد الخطاب الكولونيالي، ويثور ضدّه، هو نموذج مصغّر من فرنسيين اصطفوا إلى جانب الأهالي، هم مجاهيل لا نعرف عنهم الكثير.

نعم، يوجد الكثير من الفرنسيين وقفوا مع الثورة الجزائرية ودافعوا عنها، و شملت المثقفين الفرنسيين الذين كانوا مقيمين في باريس أيام الثورة الجزائرية (1954-1962) كسارتر الذي ارتبط اسمه بالدعوة إلى استقلال الجزائر، وجونسون الذي قاد شبكة «حملة الحقائب» المؤيدة لنضال جبهة التحرير وصاحب كتاب «الجزائر خارج القانون»، الذي صادرته السلطات الاستعمارية، والآخرين الذين كابدوا الآلام بحكم وجودهم في بلد مسقط الرأس ككامو الروائي والصحافي الشهير، وهنري علاق صاحب كتاب «المسألة» الذي كشف فيه عن بشاعة التعذيب بعد ما ذاقه وتجرعه في السّجن.

في الرواية، تقدّم تحية لجيل الثّوار: بوشندوقة و زيان عاشور، وتذكر الشخصيات بأسمائها الحقيقية.. هل ثورتهم كانت ضد حكّام أم ضدّ نظام معيّن؟ هل كان في منظورهم تحرّر فرداني أم تحرير وطن؟

انخرط زيان عاشور في حزب الشّعب ثمفي حركة انتصار الحريات الديمقراطية وكان مكلفا بالدعاية والأخبار بناحية أولاد جلال، تحت غطاء ترأسه للجنة البطالين. ونتيجة لنشاطاته ألقي عليه القبض مرارا، كانت إحداها لنشاطه الدعائي في الحملة الانتخابية لفائدة مرشحي حزبه ليعاد إلى السجن سنة 1948، عرضت عليه العديد من الإغراءات المادية للتّخلي على نشاطه السياسي إلا أنه رفض. حيث مكث في سجن الكدية بقسنطينة أين كان إلى جانب عدة وطنيين و من بينهم الشهيد (مصطفى بن بولعيد)، ساعده على التّخطيط ليسارع بعد خروجه مباشرة من السجن سنة 1955 إلى الاجتماع بمناضلي الجبهة في بوسعادة، فيقرّر انطلاق الثورة في الناحية متخذا جملة من القرارات من أهمها: الإسراع في تكوين نواة الجيش التّحرير الوطني بالجهة اعتمادًا على أبنائها. وتجميع الأسلحة وإبقائها في يد مجاهدي الجهة.

وفي شهر أكتوبر من السّنة نفسها، التحق بمعاقل الثّورة في الجبال وقد بلغ عدد المجاهدين المجندين تحت إمرته في هذه الفترة القصيرة، أي سنة 1956، ألف مجاهد ونيف. ثم انتقل إلى ناحية أولاد  جلال قام بالمهمة ذاتها، وهنا كان اتصاله بالشهيد سي عمر إدريس على رأس فوج من المجاهدين حيث اتفقا على تمركز هذا الأخير في ناحية «الخرزة» للإشراف على تدريب المجاهدين. وبقي الأمر على هذا الحال إلى أن تم تعيينه رسميا كقائد عام لوحدات الجيش الموجودة آنذاك وهذا من قبل الشهيد مصطفى بن بولعيد الذي كان قد فرّ من السّجن والتحق بصفوف الثورة في الجبال.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

الشاطئ : حلبة جديدة بين الدين والفلسفة

أحمد عمراني الشاطئ موضوع فلسفي مهم وجديد. قد يبدو للوهلة الأولى أنه موضوع سوسيولوجي أو …

بوعلام صنصال

بوعلام صنصال ﻟ”نفحة”: الحراك يبعث على التفاؤل

حاوره: حمزة دايلي منحني الظّهر، يمشي بوعلام صنصال(1949-)، حاملاً كتبا قديمة في سترته الخفيفة، وكأنّ …