الثلاثاء، 24 يناير 2017

الراي.. من وإلى الريميتي

فائزة مصطفى

الشّيخة الريميتي
الشّيخة الريميتي

تجربة الشّيخة الريميتي (1923-2006) سايرت تاريخ الجزائر على امتداد نصف قرن، لتموتَ سيدة «الرَّاي» الأولى، في الأخير، مهمَّشةً ومنسيَّةً بعيدًا عن وطنها.

بجُبَّتها الوهرانية الأصيلة، ويديّها المخضبتيّن بالحنَّاء، كانت الريميتي تطلّ على جماهيرها التي تتزاحم للاستماعِ إلى أغانيها، وللتمتُّع بصوتها الجَّهوري الخام المُنفرد، كانت عرّابة «المدَّاحات»، وسبّاقة في كسر أعراف مُجتمع الحريم في بداية القرن الماضي، من خلال أغانيها الجريئة، وشخصيتها غير المُهادنة.

لقد ظلَّت هذه المرأة الاستثنائية تردّد دائما: «تعلّمت الكثير من الغبن والشّقاء، تعلّمت منهما معاني الاحترام والغناء»، لقد عاشت الريميتي طفولة قاسية جدًا، وكان سببُها الحرب ومظالم الاستعمار الفرنسي، وما تبعها من مجاعة وفقر ووباء، حيث تفشى في أقصى غرب البلاد مرضُ الطاعون خلال أربعينيات القرن الماضي، وأدى إلى هلاك الآلاف من البشر وتشريد الكثيرين، وقد تحدث عن أهواله ذلك المرض وأرخَّ فاجعتَه ألبير كامو في روايته «الطاعون»، وفي هذه الظّروف القاسية، وُلدت وكبرت الريميتي(اسمها الحقيقي سعدية بضياف)، وعاشت يتيمة وسط البدوّ والرّحل في منطقة «تسالة»، غير بعيد عن مدينة سيدي بلعباس.

واضطرت بها الحاجة أن تشتغل في مزارع المعمّرين الفرنسيين لتُعيل أسرتها، فحياة الكّد والعمل وتحدّي الصّعاب صقَلت شخصيتَها وعلّمتها شؤون البشر ومقالب الحياة، وأعطتها مناعةً في مُواجهة صِعاب الدّنيا ومكرِها، كما مَنحتها ثقةً في النَّفس، ثم انتقلت للعيش في غليزان، التي كانت تعُّج بالشّعراء والفنانين والمدَّاحين، فدفعها الاحتكاك بهذا المحيط إلى ولوج هذا العالم، فشاركت المدَّاحات في أداء الأغاني المستمدة كلماتها من الشعر الملحون في الأعراس والولائم، وهناك اكتشفت أن صوتها ليس بالعاديّ، فانتزعت لقبَ «الشَيخة»، الذي يُطلق عادة على كبار الفنانين فقط.

لعلَّ أول ما يجلِب الانتباه هو اسم «الريميتي» ذاته، حيث يُثير الكثير من التساؤل لكونه كلمة فرنسية، وقد تبّنت هذا الاسم بعد أن كانت تُغني في إحدى الملاهي الليلية، فتوقّفت للحظة لتطلب من النّادل أن يسقيها قليلا، فتكلّمت بلغة فرنسية ركيكة قائلة «رميتي موا» بمعنى «صُبّ لي»، فسمِعها الفرنسيون حينها وأطلقوا عليها هذا اللقب، ليصبح بذلك اسما استثنائيا لامرأة بدأت مُغنية في الأعراس والملاهي وأصبحت فنانة تتنافس أكبرُ القاعات في أوروبا وأهم المهرجانات العالمية على دعوتها.

ربما قَدر الألف ميل نحو المجد والشهرة بدأ منذ خطوة الأولى التي خطتها مع الشّيخ محمد ولد النمس، العازف على آلة الناي، وبفضل شهرته بين الناس ومعرفته بالوسط الفني، ساعد الشيخة الريميتي بتلحين أول أعمالها الفنية، للتوجه لاحقاً نحو استوديوهات وهران، حيث اهتمت الإذاعة الاستعمارية بأغانيها وأذاعت حفلاتها نظرًا لإعجاب الفرنسيين بأغانيها، خاصة طريقة أدائها المنفردة، فهم على الأرجح كانوا لا يفهمون معانيها، فقد كانت تنتقد في كلماتها الأعراف والتقاليد البالية، ودافعت عن قضايا المرأة وغنّت عن الحبّ والخيانة والطلاق وغيرها.. كما يوجد في رصيدها أيضا أغاني دينية مثل أغنية: «رسول الله».

مع بداية 1952، بدأت الشيخة الريميتي تُسجل ألبومات خاصة مع شركة الإنتاج الفرنسية «باتيه ماركونيه»، حيث أصدرت أوّل ألبوم لها حمِل عنوان: «الراي الراي»، و يُرجَّح أن بسبب هذا الألبوم أخذ  فنّ الراي تسميتَه، ثم أصدرت: «شرّك قطّع»، وهي أغنية في منتهى الجرأة، وهذا ما أثار حفيظة الأسرة الثورية الجزائرية آنذاك واتهمتها بأداء أغان لا تتناسب وظروف الجزائر الثائرة ضد الاستعمار، فيما اعتبر الكثير من النُقاد الأغنية تعبيرًا صريحًا عن واقع الحياة الاجتماعية المزرية آنذاك.

ورغم أنَّها مُنعت من الغناء في بلادها بعد الاستقلال، إلا أنَّ التاريخ لا يغفل جرأتها على الغناء في بعض الحفلات التي أقامَها المُستعمر الفرنسي، وقَدمت أغنيةً تمدحُ فيها بطولة الأمير عبد القادر، مؤسس الدولة الجزائرية في القرن التاسع عشر، بل وأكدت في أكثر من مناسبة عن وطنيَّتها، وأن ما قامت به لا يختلف عما فعله الكثير من الفنانين الجزائريين مثل الشيخ حمادة أوالشيخ بوراس وغيرهم، حيث ساهم كل واحدٍ منهم بطريقته في مقاومة الاستعمار الفرنسي ومساندة الثورة الجزائرية. وواصلت الريميتي الغناء بعد هجرتها إلى فرنسا مع مطلع عام 1978 وهي في الخامسة والخمسين واستقرت في باريس إلى غاية وفاتها، وأصدرت هناك ألبومات أخرى حقّقت شهرة، مثل: «نوّار» أو «سلام للمغرب الكبير«.

ولأنَّها امرأةً فنّانة حتى النّخاع، لم يحيدها تقدُمها في السنّ عن الغناء وصُنع الفرح للآخرين، خاصة وأنها عاشت وحيدة، فلم تنجب أطفالا، كما تبرّأت منها عائلتها الأولى منذ أن اختارت الفنّ، لذلك كانت تشعر بالسّعادة والألفة باعتلاء المسارح، وتتمسّك بالحياة كلما أنتجت المزيد من الأغاني، كما كانت محافظة على عاداتها وثقافتها المحلية، فمثلما تصرّ على حضور آلة البندير والقَصْبة في إيقاعات أغانيها، تحرصُ على ارتداء البلوزة الوهرانيَّة وتتزين بالحلي التقليدية، وتتعمَّد وضعَ صورتها على أغلفة الألبومات والملصقات الدعائية وهي ترفع يديها الموشومتين والمخضبتين بالحناء، وعندما سُئلت مرّة عن معنى ذلك، ردّت :«أرفع يدي بالدّّعاء، والشكر لله، الذي أعطاني الموهبة وخصَّني بصوت أكسِبُ منه قوتَ يومي«.

كانت رغبة الريميتي الأخيرة في أن تموت فوق المسرح، وبالفعل تحققت أمنيتها، فقد رحلت عرَّابةُ الرَّاي بعد مرور أسبوع واحد على حفلتها الكبيرة بقاعة «الزينيت» الشهيرة بباريس، حيث شاركت في حفل موسيقي بعنوان «100 بالمائة راي»، وأدّت أغانيها إلى جانب نجوم الراي الحاليين، وقالت حينها: «لقد انتظرت تلك المناسبة لتُعيدوا هؤلاء الفنانين إلى أماكنهم»، وقد استعادت معهم تأديةَ أغانيها القديمة والجديدة، واختصرت في تلك السّهرة الأخيرة  مسيرة خمسين عاما من ديسكوغرافيا الراي، فهي شهدت مسار تطوره وتحرّره، ثم خروجه من دهاليزه المظلمة والقُيود المسلّطة على فنانيه وعاشت حتى لامس سقفَ العالمية.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

قتيبة النعيمي: الموسيقى في وجه الإرهاب

قتيبة النعيمي.. عازف شاب وعراقي لاجئ.. يحرص على المزج بين المقامات العربية وأصوات الآلات الغربية، …

يوم غنّت سيلين ديون متضامنةً مع المرأة الجزائرية

في نهاية التسعينيات عندما التقت المطربة العالمية سيلين ديون، مع الموسيقار الفرنسي وكاتب الكلمات جان …