الخميس، 27 فبراير 2020

شجار مثير والسّبب.. حرف باللغة الفرنسية

رشيد فيلالي

دخل هو ومرافق له مركز البريد لسحب بعض النّقود، وراح بعد لحظات قصيرة يخط بالفرنسية على «صكّ» رقم مبلغ 7 آلاف دج، وفجأة التفت إلى مرافقه وهو يستشيط غضبا، ثم أخذ يكرّر هذه العبارات: «لا.. أنت المخطئ!.. أنه يكتب هكذا وهي الطريقة الصّحيحة».

لكن عوض أن يلزما معا الصّمت في أداء غرضهما، اشتعل الغضب بينهما من جديد، مما تطلّب في الأخير تدخل الحارس فورًا وطلب منهما الهدوء أو مغادرة القاعة، حينها خرج أحدهما وبقي الآخر الذي جاء لسحب نقوده.

ومن باب الفضول سألت عن سبب هذا السّجال العاصف بين الشابين الذي علمت فيما بعد أن أحدهما جامعي والآخر بنّاء، كما اكتشفت مفاجأة مضحكة لكن لها في الحقيقة دلالتها العميقة، إذ كان سبب السجال أن الجامعي كتب رقم سبعة بالفرنسية من دون حرف (P) أي هكذا: «Set»، مثلما تنطق، في حين أنها تكتب كما نعلم هكذا «Sept». والطّريف في الموضوع أن البنّاء هو الذي كان على صواب، عكس الجامعي!

وفي الحقيقة إنها ليست المرة الأولى التي أحضر فيها مثل هذه السجالات الساخنة والمجانية، لاسيما أن الأخطاء التي تكون عادة محل مثل تلك المناطحات تنتهي غالبا بما لا يحمد عقباه مع الأسف الشديد!

مع العلم أنه يقع في مثل هذه الأخطاء الفرنسيون أنفسهم رغم كونها لغتهم الأم، فلماذا إذن هذا التنطع، حيث نريد أن نكون ملكيين أكثر من الملك؟

ثم أنه صار من المعلوم حاليا أن الإملاء (l’orthographe) تعتبر مرضا فرنسيا بامتياز، وهو ما دفع بكبير اللغويين الفرنسيين «أندري مارتيني» إلى القول بأن الإملاء جعلت من الفرنسيين معاقين لغويا وأن  السيد «le monsieur»(قالها بنبرة لا تخلو من تهكم) ويقصد به الفرنسي، يقضي أوقات طويلة جدًا في تعلّم قواعد الإملاء دون جدوى، الأمر الذي جعل منه شخصا ضعيفا في علم الجغرافيا ومتخلفًا جدًا في الحساب الذهني.

والجدير بالإضافة، أن الباحثين المختصين يؤكدون بأن الفرنسي المتوسّط وفي جميع الاختصاصات يرتكب بعد كتابة صفحة عادية تتكوّن من 35 سطرًا، بمعدل يتراوح ما بين 15 إلى 20 خطأ إملائيا، وقد وصل الحدّ ببعض تلاميذ الثانوية إلى ارتكاب 50 خطأ إملائيا!

وعلى رغم كل الإصلاحات لتبسيط الكتابة الفرنسية المعقّدة وغير المنطقية، فإن تلك المحاولات جميعا باءت بالفشل الذريع، مما يثبت أن الفرنسي ذو عقلية تقليدية في التّمسك بلغته رغم ما فيها من عيوب فاحشة، وإن كان البعض بمن فيهم الفرنكفونيون الجزائريون، يصف ذلك بأنه من أسباب جماليات هذه اللغة العصية على الإحاطة بكل أسرارها!

ولا بأس أن نتذكر معا ضمن هذا السّياق، على أن الكتابة الفرنسية اجتازت مراحل طويلة طبعتها التقلبات والتغييرات المتكرّرة والتأثيرات المختلفة، إذ لم تكن مثلا الأبجدية الفرنسية تعرف التفريق بين حرفي «i» و«j»، وبين «u» و«v». وقد أفضى هذا إلى وقوع مجازر حقيقية لتوصيل معنى ومدلول بعض الكلمات الشائعة والبسيطة، فكلمة «Louis» هي في الأصل اسم مؤسس فرنسا الإمبراطور الجرماني «Clovis: 466-511». وقد حذف مع مرور الزمن الحرف الأول(C) وتغيّر نطق حروف الاسم من كلوفيس إلى لويس ثم لوي بعد التّخلي عن نطق الحرف الصامت الأخير (Consonne)..

ولكي يتم تجنّب مثل هذا الخلط في لفظ الحروف، وضع حرف (b) أمام حرف (v) لكي ينطق مثل الحرف العربي (فاء) وهناك بقايا مثل هذا النوع من محاولات الفصل بين تلفظ الحروف في بعض الكلمات والأسماء على غرار اسم «Lefebvre»، الذي احتفظ بطريقة كتابته الأصلية حتى الآن، ونفس الشيء تم إتباعه مع حروف أخرى، لكون الحروف اللاتينية أصلا تحتوي على 23 حرفا فحسب، مما تطلّب اللجوء إلى بعض الحلول التي لم تكن مجدية بقدر ما كانت عراقيل إضافية كبيرة في سبيل تعلم لغة موليير، حيث مثلا تمّ إضافة حرف «H»(وهو في الأصل حرف ميّت في اللغة الفرنسية!) لبعض الكلمات للتفريق بينها وبين كلمات أخرى، على غرار «الزيت: Huile و Vile». لأن كما قلنا حرف (v) و(u) لم يتم التفريق بينهما بعد في الكتابة (أي أن حرف V تكتب به كل الكلمات بدل استعمال حرف U تماما مثل الأبجدية العربية تقريبا التي كانت حروف كثيرة منها تكتب بطريقة واحدة  وتنطق بطريقة مختلفة، قبل اختراع التنقيط للتمييز فيما بينها).

ومن هنا للتفريق بين كلمة Vit وكتابة رقم 8، تكتب الثانية هكذا: Hvit ،Huit.

وليس هذا فقط ، حيث تفتقت عبقرية بعض المتعالمين على ضرورة كتابة الحروف بطريقة واضحة وبارزة، بمعنى لا يجد القارئ صعوبة في قراءة الحروف المكتوبة مما دفع إلى استبدال حروف صغيرة الحجم بحروف أخرى كبيرة الحجم، مثلا كان يكتب: CELUY. LUI .VRY، قبل أن تتحول إلى:  VRAI LUI. CELUI..

عالمة اللسانيات الفرنسية هنرييت فالتر

وتقول عالمة اللسانيات الفرنسية الشهيرة هنرييت فالتر(Henriette Walter) أن الذي زاد الطين بلّة في مشكلة الكتابة الفرنسية، أن بعض الناسخين من رجال الدين المسيحيين وعددًا كبيرًا من مشاهير الكتّاب والأدباء أمثال بلزاك وألكسندر دوما، كانوا يتقاضون أجرتهم بالسّطر وعدد الكلمات التي يكتبونها، حيث كانوا يتصرّفون في الكتابة بزيادة حروف بطريقة تعسفية مثيرة، زيادة في الربح ومضاعفة المقابل المادي، حدث هذا مع أن تاريخ اللغة الفرنسية يثبت بأنه منذ ميلادها كلغة قائمة بذاتها بعد صدور ما يسمى «قَسَم ستراسبورغ» في القرن التاسع ميلادي، كانت هذه اللغة ابنة اللاتينية، تكتب كما تقرأ واستمرت على هذا الحال حتى بعد القرن الثاني عشر، مثلا كلمات على غرار: fame، cler.. صارت تكتب اليوم بحروف زائدة هكذا: femme ،claire.

ورغم تثبيت قواعد الكتابة بعد صدور الطبعة الثالثة من قاموس الأكاديمية الفرنسية عام 1740 إلا أن تعميم هذه القواعد وفرضها في الجامعات والمؤسسات التربوية والصحافة والمطابع.. إلخ لم يتم إلا بعد صدور الطبعة السادسة من القاموس المذكور عام 1835.

ومعلوم أن فولتير كان له دور حاسم في تحويل طريقة كتابة ونطق الكلمات التي تنتهي بـ ois حيث كانت  مثلا كلمة فرنسي Français، تكتب في الأصل هكذا François.

والجدير ذكره أنه في القرن التاسع عشر، وتحديدا عند صدور الطبعة السابعة من القاموس عام 1878 قبلت الأكاديمية إضافة حرف (w) إلى الأبجدية الفرنسية.. كما عادت الكتابة الفرنسية إلى كتابة الكلمات وفق أصولها الإيتيمولوجية بمعنى كتابة الكلمات ذات الأصل اليوناني مثلا كما هي في الأصل، ولو بطريقة غير منطقية، مثلا كلمات: analise ،misantrope صارت تكتب analyse ،misanthrope، مما عقّد الأمور أكثر.. فتأمل.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

جائزة مقابل خيانة اللغة الوطنية

بتاريخ  30 جوان 1996، كانت قناة “TF1” الفرنسية بصدد نقل فعاليات الجائزة الفرنسية الكبرى لسباق …

هل التعريب في الجزائر استعمار جديد؟

هذا السّؤال الغريب في الحقيقة لم أطرحه أنا، بل هو استنتاج توصّل إليه الكاتب محمد …