الخميس، 27 فبراير 2020

بن ساعد قلولي يكتب: زنينة

لك يامنازل في القلوب منازل(المتنبي)

1

كنت رابضا أعلى شجرة المشمش، المتطاولة عنان السماء ماسكا بأغصانها بجنان «حاييم»، الذي كان والدك الحاج المشري أجيرًا عنده يقوم بسقي الفدادين وإزالة الأغضان اليابسة عنها وجني المحصول منها قبل بيعه في الأسواق، تتلصّص على أجساد النساء اليهوديات في يومهن وهنّ قرب العين بجوار المسبح البلدي…

كان المشهد أمامك رائقا ومنعشا.. أنت تنتظر هذا اليوم على خلاف أيّام الأسبوع الأخرى وتتمنّى لو يطول أو لم ينته شاكرًا القائد الزيقم الذي خصّص للنساء يوما يتسوقن فيه بحرية مطلقة ومنع بموجبه خروج الرجال.. فلا تدري أي جنّ أو شيطان أوحى للقائد الزيقم بهذه الفكرة الغريبة التي لا تخطر ببال بشر…

كنت لا تهتمّ بشعورهن المنسدلة على أكتافهن ولا بأسنانهن البيضاء وعيونهن السّوداء ولا بصدورهن المتأهّبة السّافرة اليانعة بالرؤوس الشّهية الطالعة منها وأفخاذهن المرمرية الشّاغرة المشرّعة عن آخرها في وجه الهجير و الشمس الحارقة.. وجها واحدا مخصوصا كنت تتشوق لمرآه هو وجه زيزة الفاتنة فرغم تقدّمها في السّن وإنجابها لثلاث بنات مع زوجها «عزار» فهي لا زالت تسكنك مثل كل الأشياء الجميلة الموجعة الحزينة…

أنت لا تنكر أنها لا زالت تحافظ على نظارتها وسحر الأنثى فيها فلا أحد من أبناء عمومتك المحرومين اليائسين الشغوفين بها لم يحلم بالنوم معها أسفل العدلية مثلما كان والدك الحاج المشري يفعل مع جاكلين الرومية…

وها أنت تشمئز من حلول المساء وانقضاء النهار فإذما اختفت الشّمس وأقبل المغيب وغادرن المسبح باتجاه بيوتهن أقصى البساتين وفوق التلال المطلّة على حارة الزيقم والبيوت الناتئة عنها.. قمت بالهبوط خفية كلص يخشى عيون القايد التي لا تنام من أعالي شجرة المشمش نازلا مدارج الغواية صوب مكان استحمامها تتحسس أثر جسدها الباعث على الرغبة والإشتهاء ورائحة عطرها…

قيل لك بعد سنوات أن لك أختا من والدك الحاج المشري أنجبها مع جاكلين الرومية طيلة ليالي الأنس معها في بيت منعزل، بين أفياء جنان حاييم وتحت التلة الترابية قريبا من قبة سيدي بن يوب أخذتها معها إلى باريس… بدا لك أنك لا تعلم على وجه الدّقة لماذا أخفى والدك الحاج المشري أمر هذه البنت حتى بعد جلاء الأجانب ومغادرتهم أرض الأجداد…

ثلاثون حولا مرّت على رحيل الغرباء وأنت لا زلت تقيم في الماضي في قلب زيزة وبين جوانحها…

كم كنت تتمنى لو أنها تركت لك واحدة من بناتها تشمّ فيها رائحتها و تحرك فيك شيطان اللوعة بها… كنت تخشى منها على نفسك من عسس القبيلة ونذر الشؤم والخيانة… كانت التأتأة تنثال عبر أثير صوتك المضطرب حين تصادفها أمام باب بيتها تقوم بكنس بقايا الغبار العالق بعتبة البيت فترتعش أصابع يديك رهبة من سحرها وهناك داخل أكوام الصّخب الرجالي في حانة زيدان القريبة جدا من موطئ الحارة تنتهي إلى نسيانها فتنصب لك من قاع الكأس أمام دهشتك فارعة ظافرة بكل سحرها والإغراء الذي يتقاطرمنها… ما حيلتك يا رجل!.. كم من الوقت بقي لتبذر آهاتك الكليمة بها وهي في الضّفة الأخرى وراء حوض نهر السين بين أبنائها وبناتها..؟.. «انْس الهم ينساك!».

2

… كنّا أطفالا وكنت كهلا على مشارف الشيخوخة دون أسرة أو أبناء.. لم نتساءل مطلقا وربما أدركنا متأخرين سرّ بقائك وحيدًا مستمتعا بالعزلة والإنفراد ساهيا محاطا بالقلاع والأسرار الحصينة بك لا تغادر بيتك إلا نادرًا لا أحد يهتمّ بك ولا أحدا أيضا أنت ترجوه أو تتطلع إليه سوى شقيقتك الكبرى حدّة المقسّمة بين أعباء أسرتها وزوجها العليل تتفقدك بين الحين والآخر ماسكة بثيابك الرثة لغسلها وتنظيفها…

قلبك كان منشطرا بين نصفين نصف هنا في المدينة التي مسخت فصارت أشبه بالقرية المجهولة والنصف الآخر فيما وراء البحر والضفاف البعيدة التي أخذت منك زيزة والشقيقة التي لم تعد هنا…

حشرجة صوتك حين تخلو إلى نفسك وحيدا إلا من جعة تنادمها صارت كموسيقى نازفة تتشقق لها لسعات القلب وانزلاق الوجع الغائر فيك.. لم تشتك يوما من ألم عضوي أو صداع أو داء ولم تتوجّه لطبيب أو عيادة… الداء فيك كان معلوما ولا يحتاج لطبيب أو عطارأو بائع وهم يعطيك ما ليس بيده…

كنت في بيتك بين النوم واليقضة عصر يوم مشمس لافح حين سمعت طرقات رجال الدرك باب جحرك الخشبي.. فتحت الباب بلهفة.. ارتعشت يداك من هول المصادفة وغرابتها لما قال لك الضابط: «الشقيقة ماري هاهي أمامك!».. سمعتها تقول بصوت حنون لاهب: خويا العزيز أين أنت؟!.. وجدت نفسك تحتضنها بقوة ولم تنتبه لوجود طرقات بالباب أزعجتك قليلا.. كانت شقيقتك حدّة تجتاز عتبة البيت وبين يديها رزمة من ملابسك التي قامت بغسلها وتنظيفها… تفأجأت بوجودها معك وقبل أن تتفوه بكلمة سألتها هل تذكرين الطفلة التي أنجبها والدك المشري مع جاكلين الرومية وأخفيتم خبرها عن والدتي ثم أخذتها معها إلى باريس..؟ لم تجبك واكتفيت بالتفرس في عينيها..

كانت تريد أن ترى فيك صورة والدها المشري ذو النظرات الحادة.. ساد وجهها الوجوم والحيرة.. لم تمسك برأس الخيط ولم تحدّد ما ينبغي فعله وقبل أن تنتبه إلى ما كان يدور بخلدها رأيتها تضمها إلى صدرها طويلا باكية تستعيد وجه والدها.. تراءت لك مشاهد الماضي الذي أفل وحكايا الزّمن ووجه زيزة السّاحرة وفي كلّ ردهة من ردهات الذاكرة دوي كبير لأشلاء من رحلوا مخلفين وراءهم خيالاتهم وقصص الأنس التي سادت بينهم.. سألتها عن زيزة فأخبرتك أنها ماتت بمرض السرطان الذي قضى عليها.. كنت تريد أن تعرف على وجه الدقة ماذا كان وراء الدجى والسنوات التي قضتها شقيقتك بعيدًا عن مرابع طفولتها في باريس…

حدّثتك عنها وعن والدتها وسنوات الدراسة التي قضتها في جامعة السوربون ولم تترك لها فرصة تفقد جذورها الكامنة فيها.. لم تنس أن تطلب منك الطواف بها عبر أفياء القرية وحواريها والبساتين التي على أطرافها.. خجلت من القول لها أن زنينة القديمة ماتت وأن الزاحفين العراة قضوا على كل معالمها الجميلة…

لاحظت وأنت تطوف بها الدّروب التي تغيّرت وراءها كثيرا أنها كانت تحاول التشبث بالأرض وبين يديها آلة التصوير لإلتقاط الخيوط المرئية من بقايا البيوت الواطئة مستأنسة بالغبش والنّور الطّالع منها وأمام ناظريها تتراءى لها الحارة في سكونها وقد خلت من ساكنيها وحلّت محل آثارها الذاهبة عمارات جديدة بدون انسجام مثلما خلت من الأشكال الفنية التي كانت تزين قصرها ومغاراتها والبيوت القديمة الواطئة التي بها.. كان كل بيت يحكي قصّة حبّ أو جرح لم يندمل وكان الأفق صافيا منعشا وأشجار الصفصاف والمشمش المتطاولة عنان السماء تئن معلنة عن شكواها وتذمرها مما هي فيه…

لم يطل بقاءها كثيرا معك في القرية فقد عادت إلى باريس ممنية نفسها بالعودة القريبة بعد تسوية ملفها العائلي لتحمل لقب والدها واسما جديدا بدل ماري هو نورة…

عزاؤك الوحيد هو أنّك قبل أن تسلمّ الروح إلى بارئها رأيت نورة تتحدّث في قناة فرنسية ضمن برنامج «أطلال» بمنتهى الحسرة والتوجع والعزّ عن زنينة التي ماتت معالمها وعن جذورها الحية القائمة فيها وفي مسافات الوجع النائية وعبق الذاكرة.

الجلفة، في 03 أوت 2014

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

ريلكه

أن تقرأ ريلكه بالعربية

محمد الصّالح قارف مرّت عشر سنوات على ترجمة كاظم جهاد لأهم الآثار الشّعرية لراينر ماريا …

الرواية الجزائرية تتألق في الجائزة العالمية للرواية العربية

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية هذا الثلاثاء، عن الروايات المرشّحة للقائمة الطويلة بدورتها للعام 2020، …