الجمعة، 24 يناير 2020

فيلم القلعة.. لماذا يرفض التلفزيون الجزائري عرضه؟

عندما أخرج محمد شويخ (1943-)  فيلم «القلعة»، عام 1988، لم يكن يتوقع أن ينال الفيلم هذا الاهتمام الواسع من طرف المنابر السينمائية المتخصّصة وعدد من النقّاد في العالم، وأن يُستدعى للمشاركة في عشرات الجوائز السينمائية، ويحصد الجائزة تلو الأخرى، مع أنه فيلم يرتبط بخصوصية جزائرية، ذات الصّلة بأعراف وتقاليد تعكس وضعا اجتماعيا بائسا، تنفرد به القرى والأرياف الجزائرية أساسًا. ورغم أن فيلم محمد شويخ اعتمد على ميزانية بسيطة، واقتصر في إنتاجه كلية على كفاءات جزائرية في جميع المجالات الفنية والتقنية المرتبطة به، أضف إلى أن مخرج الفيلم، اعتمد في تجسيد الأدوار الرئيسية، على ممثلين معظمهم من الهواة: الجيلالي عين تادلس مطرب الأغنية البدوية الراحل، والذي لم يسبق له التّمثيل من قبل، حيث تقمّص شخصية «سيدي» الرجل المتغطرس صاحب الأربع زوجات، والذي لا يتورّع عن اقتراف خيانة زوجية، عندما تتاح له الفرصة، ونفس الشيء بالنسبة للبطل الرئيسي خالد بركات الذي جسد دور «قدور» في الفيلم، الشاب الثلاثيني، الذي يعيش تحت ضغط مكبوتاته، حدّ السذاجة.

افيش فيلم القلعة

ثمة في افتتاح فيلم القلعة، مشهد مؤثر جدا، ينطوي على كثير من الدلالات العميقة، أين نحضر حفلاً بمناسبة تنظيم القرية لزواج جماعي، حيث تتراءى مجموعة من العرسان يركبون الخيول، استعدادا لليلة الدخلة، مع خلفية احتفالية وأهازيج ورقص وطلقات البارود. وفي ليلة الدخلة، عنف شديد وضرب مبرح، يزداد ضراوة مع طرق عنيف لأبواب غرفة العروسين، لحثّهم  على استخراج «القمُجة» أو القماش الأبيض الملطخ بشيء من الدّم المترتب عن فض غشاء البكارة، بوصفه عنوانا للفحولة بالنسبة للرجل، وعنوانا للشرف بالنسبة للمرأة. تماما كما يحرصون على ترسيخه وسط الدشرة، وعندما ينجح أحد العرسان في إخراج قماشه الأبيض، تطلق النسوة العنان للزغاريد، وتشتعل الأفراح، في مقابل ذلك، يتلقى باقي العرسان، الذين فشلوا في تلطيخ القماش الأبيض، وابلاً من الشتائم والشّك في رجولتهم.

شخصية «سيدي» الذي يجسّد دوره باقتدار الفنان الراحل جيلالي عين تادلس، تعكس صورة الزوج الكسول، والمتسلط، الذي يضطهد زوجاته الأربع، ويستغلهن في نسج الصوف، وسرعان ما يهدّدهن بزواجه من امرأة أخرى ما دام «الشرع» يتيح له ذلك. لن يتورع عن ارتكابه خيانة زوجية لإرضاء نزواته، يحتقر ابنه بالتبني «قدور»، يكلفه بأداء مهام شاقة، ويعاقبه على محاولة التقرّب من المرأة التي يعاشرها. ابنه قدور الشاب الثلاثيني، الذي تقمص دوره خالد بركات، يبدو مستسلما، راضخا للأمر الواقع، يضطر في لحظة تمرد افرزه هيامه الشديد بزوجة الاسكافي ( تلعب  الممثلة  نوال زعتر دور الزوجة، ويلعب سيراط بومدين دور الزوج)، إلى الاستنجاد بالـ«طالب» في محاولة يائسة لتحقيق مآربه. الفيلم لا يخلو من فكاهة ومن مشاهد مضحكة، تلامس الوجع والمعاناة، لمجتمع لا زال متمسكا بعادات قديمة وبالية، تنعدم فيها الحرية الفردية، ويسودها الاضطهاد والعنف، عادات وتقاليد وأعراف، ضحيتها أساسا، وبالدرجة الأولى: المرأة.

المخرج محمد شويخ

فيلم القلعة ، حظي بثناء وإعجاب عدد معتبر من النقاد العرب والفرنسيين وفي العالم، كما لم يحظ به أي فيلم جزائري آخر أو يكاد. وصفته مجلة «كراسات السينما» الفرنسية المتخصصة بـ«التحفة الفنية» Chef d’œuvre : «شويخ مخرج كبير، تمكن في الفيلم من رسم لوحة مؤثرة عن الحياة الريفية، انه تحفة فنية». كما اعتبره الايطالي امبيرتو روسي  فيلما ناجحا «من حيث تمكنه من تحقيق توازن بين ثنائية المأساة والسخرية، وبين الواقع والخيال،  كما استطاع الفيلم أن يواجه وبشجاعة طابوهات الجنس»،  كما اعتبرته صحيفة برلينير الألمانية «واحدًا من أجمل الأفلام المعروضة في مهرجان برلين السينمائي وأكثرها تأثيرا» وفي العالم العربي، أثنى ابراهيم العريس الناقد السينمائي اللبناني على الفيلم، واعتبره واحدا من أبرز الأفلام الجزائرية وأعمقهم، كما أشار الى أنه من بين الأفلام النادرة التي يعيد من حين لآخر بشغف مشاهدتها. في حين يرى الناقد السينمائي السوري محمد عبيدو، «أن الفيلم جميل، مشغول بعناية فائقة، يتمتع بقوة شاعرية وشجاعة في طرح موضوعات الساعة في الوطن العربي، تدور أحداثه في قرية صحراوية جزائرية في إطار متحرر من قوالب صناعة السينما ذات الهدف التجاري»، كما تميّز الفيلم كما أضاف بـ «تصوير شاعري وأداء تمثيلي متميز».

ورغم الجوائز السينمائية العديدة التي حصدها فيلم «القلعة» للمخرج محمد شويخ، ومشاركته في عشرات المهرجانات العالمية عبر العالم، والترحيب واسع النطاق الذي حظي به من طرف النقاد السينمائيين في العالم، ورغم عرضه في عدد من شاشات التلفزيون مثل التلفزيون الرسمي التونسي، وقناة ارتي الفرنسية الألمانية، لا يزال التلفزيون الجزائري مصرًّا على عدم عرضه على شاشة التلفزيون، رغم مضي أكثر من عقدين ونصف على إنتاجه، لماذا؟ هل لأنه يكشف مظاهر العنف ضد المرأة، وتعدد الزوجات، ويفضح المآسي المترتبة عن الممارسات البالية في الزواج التقليدي، وهي ممارسات لا تزال سائدة إلى الآن، في عدد كبير من مناطق الجزائر؟

في واقع الأمر فيلم «القلعة» ليس هو الفيلم الجزائري الوحيد الذي يمتنع التلفزيون الرسمي الجزائري عن عرضه على الشاشة، رغم أزيد من عقدين ونصف على عرضه، هناك باقة أخرى من الأفلام الجزائرية المتميزة طالها الإجراء نفسه، وبمقابل ذلك يحرص التلفزيون على عرض مجموعة من الأفلام التاريخية أو الكوميدية عشرات المرات لحد الابتذال.

 

 

إضافة تعليق

تعليق (تعليقات)

شاهد أيضاً

التّصوير العاري في الجزائر.. الجسد فنون

التّصوير العاري في الجزائر.. الجسد فنون

كريمة.أ.نواصر جيل جديد من الفنّانين عايش عشرية الذبح في تسعينيات القرن الماضي يُحاول ترميم ملامح …

مميّزات حراك 22 فيفري 2019 في الجزائر

مميّزات حراك 22 فيفري 2019 في الجزائر

فطيمة الزهرة بولدرع/ لطيفة لونيسي – جامعة عنابة لم تشهد الحالة الجزائرية ظاهرة الحراك الشعبي …